فوزي آل سيف
179
صفحات من التاريخ السياسي للشيعة
3- المثالية (غير الواقعية) في العمل السياسي: قال تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }([232]). المواصفات التي اشترطها شيعة أهل البيت عليه السلام في من يتولى زمام الأمور كانت عالية جدا، وهي لا تتناسب إلا مع المعصومين عليهم السلام، وربما كان ذلك ضروريا لوقف حالة الانهيار في المقاييس والتي بدأت في الأمة، ونتج عنها أن صار من يحمل النسب الأموي أو العباسي، ويكون ابنا للحاكم السابق أو أخا، فهو مؤهل لكي يكون خليفة النبي، وأمير المؤمنين!!. ولعلك تدرك معنى كلام الإمام الحسين عليه السلام: >وَعَلَى الْإِسْلَامِ السَّلَامُ إِذْ قَدْ بُلِيَتِ الْأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلِ يَزِيدَ<([233]). لقد كان موقف أهل البيت عليهم السلام حازما في ما يرتبط بالقادة والمترئسين، فإن كان صالحا ومن (أولي الأمر) فلا بد من طاعته وإتباعه، بل لقد قرن الله طاعته، بطاعة الله وطاعة رسوله.. وفي المقابل كانوا حربا على المتسلطين من غير وجه حق.وكانت نظرية الإمامة عند الشيعة بمثابة الحصن الواقي من الانهيار، فـ (علي ولي الله) يكون شعارهم، ومثالهم.وهو مقياسهم في الحكم والقيادة، وباقي الأئمة المعصومين عليهم السلام هم تعقيب صلاتهم. نقول هذا في الوقت الذي كان فيه غيرهم، يخضع للواقع تماما، بل يغير نظريته في الإمامة([234]) و (يطورها) بحسب
--> 232 ) سورة التغابن آية 16. 233 ) بحار الأنوار: ج44، ص326. 234 ) المستشار عبد الجواد ياسين في مقابلة مع الشرق الأوسط 28 ديسمبر 2003م: >كما أشرت في كتابي فقد ظل باب النظرية السنية في الخلافة مفتوحاً على الدوام حتى منتصف القرن الرابع على الأقل حيث أبدت النظرية قدراً مذهلاً من المرونة استطاعت من خلاله أن تستوعب داخل إطارها دولة الراشدين الشورية، ودولة الأمويين الوراثية الاستبدادية، ودولة العباسيين الأولى بطابعها الدموي، ودولة العباسيين الثانية بحكوماتها السلطانية التي فرغت (الخلافة) من مضمونها الحقيقي. وفي سبيل ذلك فقد استطاعت النظرية السنية وهي تتلوى مع التاريخ أن تقر مبدأ الاختيار الطوعي من الأمة للحاكم، ثم تقبل من أبي بكر مبدأ (الاستخلاف الفردي)، ومن عمر (الاستخلاف الجماعي)، وتقبل من تجربة عثمان مبدأ (تأبيد الولاية)، وتقبل من الأمويين مبدأ (توريث السلطة) أو (الأسرة المالكة)، وتقر من خلال الواقع العباسي مبدأ (ولاية المتغلب) من السلاطين والوزراء، حتى إذا ما صار الحاكم في نهاية الأمر ضرباً من السلطة الدينية ذات طابع رمزي فاتيكاني، فإن النظرية فيما يبدو لم تبد اعتراضاً».