فوزي آل سيف

82

معارف قرآنية

التفسير بالرأي هو الحالةُ الأُولى، المُفسّر من أولِ الأمر قامَ بتجهيزِ قنواتٍ واتجاهاتٍ مُعينة في عقله، ثم قام بتعبئةِ الآيات المباركة في هذه القنوات وعبث بها بمِزاجِه، وهذا خطأ. أما التدبُر فيعني أن الإنسان يسيرُ مع القرآن ويتبعه ويهتدي بٍهُداه. أذكُر هنا - ولَعَلّ هذا كان قبل ٤٠ سنة - كُنا في النجف الأشرف أيامَ حُكمِ البعثيين، وكان في ذلك الوقت مكتوبٌ في بوابة النجف على جدارٍ كبير هذه الآية “فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ”. هذه الآية القرآنية المقصودُ منها يومُ القِيامة، ولكنها كانت موضوعةً بقصدِ أن هذه أيامُ البعثيين، وأنه هذه الأيام مذكورةٌ في القرآن الكريم، هذا يُعدُ من التفسيرِ بالرأي. وهكذا عندما يقولُ الاشتراكيون مثلًا بأن المقصودَ من هذه الآية المباركة (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[148] أن هذا مبدأ اشتراكي مُحارِبٌ للرأسمالية، هنا هذا المُفسِر كان عندهُ قناة مُفصلة ومُجهزة قامَ بوضعِ الآيةِ فيها. وستأتي أمثلة ونماذج أكثر تفصيلا في موضوع مستقل .. كيفيةُ التَدَبُر: بعدما تعرّفنا على الفرق بين التدبُر والتفسير بالرأي، فإنهُ من المهم معرفةُ كيفيةِ التدبُر. أولًا إخلاصُ النيةِ لله عز وجل بأنه إذا هدانا سبحانه لشيءٍ ألا نُحَكِمَ فيهِ آراءَنا، وألا نأخُذَ بعضَ الكتابِ ونَترُكَ البعض الأخر. ينبغي للإنسان أن يُخلِصَ نيتَهُ لله سبحانه أنهٌ عندما يهديه الله إلى أمرٍ أو فكرةٍ أو مفهوم أن يُتابِعَه سواءً كانَ معهُ أو ضِده، عليهِ أم معه. ثانيًا التفكُر في كلماتِ الآياتِ المباركات. ننظُر للكلمة الموجودة في الآية ماذا تعني؟ وهذا طبعًا يقتضِي أن نتَدَبَر في الآيات الُمحكمة وليس المتشابهة والمتشابكة والتي ليست من مُستوانا، وإنما الآيات التي فيها منحىً أخلاقي أو عقائِدً بَيِنَة أو أحكامًا واضحة، هذه آياتٌ محكمات، وهي كثيرة في القرآن الكريم. نتفكر في سبب اختيار كلمةٍ مُعينة دُون غيرها من الكلمات. تعلمون أن كلمات اللغة العربية أولا كُلما زادَ المبنى فيها زادَ المعنى أيضًا، مثلا كلمةُ “قَرُبَ” تختلف عن “اقتَرَبَ” ، “حَمَلَ” تختلف عن “حَمَّلَ” مع أنها نفسُ المفردات ولكنَّ المعنى يختلف. كمثالٍ من القرآن الكريم نذكُر الآية المباركة التي تقول ( وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا)[149] وفي موضِعٍ أخر آيةٌ أخرى تقول (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[150]. أيضًا سُمِي بعضُ أعداء أمير المؤمنين بالقاسطين، والله يقول ان الله يحب المقسطين، فكيف يكونُ ذلك؟ يقولُ عُلماءُ اللغة أن “قَسَطَ” وفاعِلُها “قَاسِط” تعني “ظَلَمَ” وفاعِلُها “ظالِم”، لذلك المعنى في الآيةِ الأولى هو الظالمون، وعكسها تمامًا “أَقسَطَ” فهُو “مُقسِط” أي “عَادِلَ”، هنا تغير الفعل من ثلاثي إلى رباعي واختلف المعنى على إثرِ ذلك إلى التضاد، في هذه الحالة يحتاجُ الإنسان أن يُميزَ بين هذه الكلمات. ذكرنا سابقًا في ليلةٍ ماضية أنه من ميزات اللغة اشتِقاقُها من الفعل الثلاثي غالبًا، فكُلما يزيدُ في الفعل شيء فإن معناهُ يتغير. الفعل “دَبَّر” مُختلفٌ عن “استَدبَرَ” وعن “تَدَبَرَ”. كُلُ إضافةٍ وتغييرٍ في الصيغة تؤثر في المعنى، فيحتاجُ الإنسان أن يتفكرَ في هذه الكلمة لماذا استُخدِمَت في هذا المكان مع إمكانية استخدام كلمة أخرى فيه. مثالٌ آخر نذكرُه في ما يرتبط بذبح الحيوان وتذكيته. تذكيةُ الحيوان لها أحدُ طريقتين إما الذبح أو النحر. النحرُ للإبل والذبحُ للشاة والخروف والطيور وما شابه. اختلف الناس في تذكية البقر لأنهُ ليس بحجمِ الإبل ولا بحجم الشاة، فهل

--> 148 ) التوبة / 34 149 ) الجن / 15 150 ) المائدة / 42