فوزي آل سيف
81
معارف قرآنية
ومع التفكير بشكلٍ أعمق في الآية نستكشف أنه بالإضافة إلى أن التدبُر في القرآن الكريم أمرٌ محبوبٌ ومطلوبٌ من عند الله وإلا لما أُمُرَ بِهِ من قِبَلِه سبحانه، إضافةً إلى ذلك فإنهُ أمرٌ مقدورٌ عليه، ولو لم يكن كذلك لما أمرَ اللهُ بِه. فيَتَبَين من الآية أن هذا الأمر مُتَيَسِرٌ للإنسان. ونستفيدُ أيضًا أنَّ الذي يُعيقُ الإنسانَ عن الوصولِ إلى معاني القرآن إنما هو إقفالُ العقل. حين يُقفِلُ الإنسانُ عقله فإن النورَ الإلهي لا يصلُ إليه. لو كان في منزلك نافذة ولكنها مُغلقة فإن الشمس والهواء لن يصلا إلى المنزل، بالرغم من أن الشمس تُشرقُ كل يوم، ولكن إغلاقُ النافذة سيكونُ سببًا في عدم وصول ضوء الشمس إلى المنزل. وكذلك نافذةُ عقل الإنسان إذا كانت مُغلقة فإن نور الله لا يصل إليها، طبعا القلوب في الآية تعني العقول، وليس عضو القلب، هذا شيءٌ من التدبُر والتَفَكُر في نهايات هذه الآية والذي يكشفُ للإنسان أمورًا مُتَعَدِدَة. المثال الثاني: نأتي للآية الثانية “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرآن ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا”. قد نستنتج من الآية أولًا أنَّ الإنسان مُطالبٌ بأن ينظُر في معاجِزِ الأنبياء، وأن يُفتشَ عن العقائد لأنهُ طُلِبَ منهُ التدبُر في أمرٍ هو إعجازي. لو كان هذا القرآن من غير الله لَكَانَ فِيهِ اختلافٌ كثير، لكن لأنهُ ليسَ فيهِ اختلاف فهو من عندِ الله. هذه هي النتيجة التي نصلُ لها من خلالِ التأمُل في المعجزة، فإذن التأمُل والتفكُر في معاجز الأنبياء من الأمور المطلوبة من الإنسان. الُمتدبِر أيضا بإمكانه أن يستنتج من هذه الآية أن غَيرَ اللهِ هو قَرِينٌ للنقص والعجز والاختلاف في أفكارِهِ إلا إذا كان ذلك هو الله أو كان من قُوةِ الله، كما هو الحال في النبي والإمام المعصوم حيث لا يتناقض كلامُه ولا يتخالف. من كان دُونَ الله، ومن لم يُمدِدهُ اللهُ بقوتِه فهو مُؤَهَلٌ للاختلاف والاضطراب في كلماته وأفكاره، أما الله فهو بريٌء من ذلك. وهكذا كلما استطاعَ الإنسان أن يتأمل ويتدبر استطاع أن يسكشفَ أمُورًا جديدة، مع أن هذا الاستكشاف ليس ظاهرًا في الآيات وإنما هو موجودٌ في دُبُرِها، لذلك فالتدبُر هو أمرٌ مطلوب من الله في كلماتِه وأياتِه الُمنزلة. التدبُر والتفسير بالرأي: بعضُ العلماء خالفُوا التدبُر وقالوا أن التدبُر ليس صحيحًا، وأنه لا ينبغي أن يكون لأنهُ ينتهي إلى التفسيرِ بالرأي. إذا بَدَأَ الإنسان بمطالعةِ القرآن الكريم وباستنتاجِ أفكارٍ من رأسِه فإن التفسير حينها يُعَدُ تفسيرًا بالرأي. وهذا مذمومٌ فقد ورد في الأحاديث “من فَسَّرَ القرآن بِرأيهِ فقد هَلَك”. إلا إن هذا الكلام غيرُ صحيح، فهناك فرقٌ بين التدبُر في القرآن وبين تفسيرِه بالرأي. التدبُر ممدوحٌ ومطلوب كما في الآيتين السابقتين، بينما التفسير بالرأي منهيٌ عنه. الفرقُ بينهُما نعرِفُه من خلال المثال التالي: لو علمتَ أنَّ المطر سينزل، وصنعت قنواتٍ خاصة لهذا المطر تصل للمكان الذي تريده لمنزلك، حين يهطُلُ المطر من السماء فإنهُ سيجتمع في هذه القنوات ويصلُ لبيتِك دونَ سائِر الأماكن هذه حالة. وفي حالةٍ أخرى أنت تُلاحظ مكان نزولِ المطر فتذهب وتزرع في هذه المنطقة التي ينزلُ المطرُ فيها. الحالة الأولى أنت أعدَدتَ قنواتِ المطر وسيَّرتَ المطر إلى المكانِ الذي عينتَهُ أنتَ له، بينما في الحالة الثانية قُمتَ بالزراعة في المكان الذي ينزِلُ فيه المطر.