فوزي آل سيف

69

معارف قرآنية

و لا بد من بیان أمور: الأول: قد تفحصت عاجلا بقدر وسعي في الأخبار لأن أظفر علی ما ذکروه في التجوید فی مخارج الحروف و سائر ما تعرضوا له، فلم أجد عینا و لا أثرا مع أنّ الأمر من الأمور الابتلائیة لجمیع المسلمین، و لو وجب شيء منها لشاع وبان. إن قیل : إنّ الناس کانوا من العرب، فلم یحتاجوا إلی البیان، لکون جملة ما ذکروه فطریا لهم. یقال: لم یکن جمیع المسلمین عربا ولا بد وأن یبیّن الحکم الإلهی العام البلوی مع أنّ مولانا الرضا علیه السلام کان مورد ابتلاء العجم مدة، و لم أظفر علی شيء یدل علی أنّ شخصا من الأعاجم قرأ قراءته لدیه علیه السلام أو سأله أحد عن ذلك، مع أنّ ما ذکر فی التجوید لیس من التکوینیات الفطریة، بل غالبها من الجعلیات الصناعیة. و أما قولهم علیهم السلام: «اقرؤوا کما تعلّمتم فسیجیئکم من یعلّمکم» ففیه أولا: أنّه یمکن أن یراد به کمیة آیات القرآن لا کیفیة القراءة. وثانیا: یمکن أن یراد به ما یرجع إلی مادة الآیات أو کیفیاتها الواجبة النحویة دون ما یتعلق بالتجوید. وأما قوله تعالی ( ورَتِّلِ القرآن تَرْتِیلًا() فلا ربط له بالتجوید الحادث بعد رحلة النبي صلّی اللّه علیه و آله بسنین و قد ورد عن أبي عبد اللّه علیه السلام فی تفسیره: «ینبغی للعبد إذا صلّی أن یرتل فی قراءته فإذا مرّ بآیة فیها ذکر الجنّة و ذکر النار سأل اللّه الجنة و تعوّذ من النار، و إذا مرّ ب یٰا أَیُّهَا النّٰاسُ و یٰا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا یقول لبیك ربنا». و عنه علیه السلام أیضا: «قال أمیر المؤمنین علیه السلام: و لا تهذه هذّ الشعر و لا تنثره نثر الرمل و لکن اقرعوا به قلوبکم القاسیة و لا یکن همّ أحدکم آخر السورة.و لا ربط لهما بالتجوید أیضا، بل مفادهما التخشع و التفکر فی القراءة. نعم، روی عن علیّ علیه السلام فی معنی الترتیل: «أنّه حفظ الوقوف و أداء الحروف. و لکن عن الحدائق: لم أقف علیه فی کتب الأخبار ولعله من مفتعلات العامة ترویجا لصناعة التجوید. و یأتی فی (فصل مندوبات القراءة) معنی الترتیل المستحب، فلا دلیل علی لزوم اتباع ما أوجبوه بل ولا استحباب متابعتهم فیه، فکیف بما ندبوه إلا إذا توقف أداء مادة الکلمة لغة أو هیئتها المعتبرة فیها علیه فیجب حینئذ الإتیان بمادة الکلمة و هیئتها المعتبرة لا من جهة لزوم متابعتهم [127]. التجويد وسلب الخشوع : ثم إنه أشار إلى جهة تربوية وهي أن التعمق في التجويد والالتفات لقواعده أثناء القراءة في الصلاة ينتهي إلى سلب الخشوع ولذا قال في موضع آخر من المهذب[128] : " ثمَّ إنّ الظاهر، بل المعلوم أنّ التأمل کثیرا فی التجوید سواء کان في الصلاة، أم في قراءة القرآن أو الأذکار والدعوات یسلب الخشوع، لأنّ توجیه النفس إلی جهة خاصة یوجب انصرافها عن سائر الجهات، و لعلّ هذا أحد الأسرار التي لم یهتم أئمة الدّین بترغیب الناس إلی ذلك، و قال صلّی اللّه علیه و آله: «من انهمك فی طلب النحو سلب الخشوع»[129]. منشؤه ليس في أحضان الأئمة :

--> 127 ) مهذب الأحكام 6/ 320 128 ) وقد نُشر لسماحة السيد ضياء الخباز القطيفي رسالة مفصلة في شرح هذه النظرية على الانترنت بعنوان : علم التجويد القراءة المغيبة .. يمكن مراجعتها لمن أراد التفصيل . 129 ) مهذب الأحكام 1/ 324