فوزي آل سيف
58
معارف قرآنية
هنا هو مزيد من التحقيق والتدقيق والتفتيش عن الطبيب الحاذق الصادق ، والتاجر الثقة والتعامل معهما والاستفادة منهما . اصطدام القرآنيين بمفاد القرآن المأزق الأول : سيتورط أتباع هذا التيار مع القرآن ويصطدمون به خاصّةً عند وقوفهم عند الآيات التي تنص على طاعة الله تعالى ورسوله واتباعه وعدم الانفصال بين طاعة الله وطاعة نبيه .. فماذا تعني لنا طاعة النبي في هذا غير اتباع سنته وما قرر من أحكام ؟ أو أن هذه الآية وأمثالها وهي كثيرة قرنت بين الطاعتين هي خاصة بمن كان في زمانه ولا تشملنا بل ولا تشمل من كان بعد سنة 11 هـ حيث توفي صلوات الله عليه ؟ (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ )[106] مفادها أن من لم يطعه لم يطع الله ! فما هي وجوه طاعتنا للرسول في زماننا هذا لو لم نتابع أوامره وسنته وأقواله ؟ وهل يلتزم أحد منهم بأن هذه الآيات وأمثالها (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ)[107] معطلة من بعد وفاته إلى زماننا أو إلى يوم القيامة ؟ إن الذي يقول أنّ طاعة الرسول مستمرة عن طريق أوامره المباشرة في حياته والأحكام التي خلّفها بعده جاءت لنا بطريقٍ معتبر ويعتبر طاعة للرسول صَلى الله عليّه وآله، فهم سيتورطون بها أيضاً لو لم يتبعوها . المأزق الثاني: فيما يرتبط بالعبادات فكيف يستطيع هؤلاء أن يعبدوا ربهم ، ويقيموا شرائعه ، والحال أن تفاصيلها لم يأت بها القرآن وإنما تكفلت بها السنة . فالصلاة في أعداد ركعاتها ، وكيفيات أفعالها ، وشرائط صحتها ، لم يأت بها القرآن في أكثرها ، وهكذا في كيفية الحج وأحكامه ومسائل نسكه .. لا طريق لها غير السنة النبوية . لا يقال : بأن الله تعالى قال عن القرآن الكريم " مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ"[108] فبالاضافة إلى ما سيجيء من البحث حولها ، نقول إن هذه الآية مشروطٌة في رأي الإماميّة بـ(عترَتي) وهم الأئمة عليهم السلام والعارفين بذلك ، وبسنة النبي الثابتة عنه .وإلا فإن الوجدان يخالفها إذ لم يأت في القرآن مثلا عدد الركعات في الصلوات فضلا عن سائر المسائل من واجبات وشروط . ماذا صنع ويصنع القرآنيون في هذا ؟ اتخذ بعضهم إحدى الطريقتين، الطريقة الأولى: قالوا بأنّ الصلاة هي أحد طرق الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى كأنْ يقف ويتفكر في الله تعالى فهذا يعد صلاة، فالصلاة هي عبارة عن الصلة ، والتفكر اتصال وصلة .. ولأن الكيفية غير محددة فيكفي أي نحو من الأنحاء ، فالوقوف والايماء صلاة ، والركوع والسجود صلاة ، والتأمل صلاة . والحج يعتبرونه طوافا فقط بالبيت العتيق وبالصفا والمروة ولا يوجد له عددٌ محدد ولا كيفيّة محددة كأن يبدأ من اليمين إلى اليسار أو العكس من ذلك، أو أن يبدأ من الحجر الأسود أو غيره، أو أن يكون شوطاً كاملاً أم ثلاث أرباع الشوط، أو نصفُ شوط، فهذا كله غيرُ محدد لديهم بل يقولون إن آية " طَوَّافُونَ عَلَيْكُم"[109] هي في نظرهم معينة لمعنى الطواف وهو التردد ، فيكفي التردد على الحرم فحسب و أنّ ذلك يعتبر طوافاً كأنْ يذهبون من الحرم إلى البيت ومن البيت إلى الحرم فهذا في نظرهم يُعتبر طوافاً، أو أن يذهبوا فيجلسوا في الحرم فهذا يعتبر طوافاً، أو أن يكونوا في حالة الدوران حول الكعبة سيعتبر لديهم طوافاً.
--> 106 ) النساء / 80 107 ) آل عمران / 31 108 ) هناك موضوع آخر حول هذه الآية وأشباهها وما هو المقصود منها . 109 ) النور / 58