فوزي آل سيف
59
معارف قرآنية
قسم من القرآنيين رأى أن الالتزام بما سبق في العبادات هو شنيع للغاية ، ذلك لأنه يؤدي إلى ضياع العبادات الأساسية من الدين فماذا يبقى إذا انتفت كيفية الصلاة ، وطريقة الحج ، وأعداد الزكاة ومقاديرها ( حيث لا يوجد ذلك في القرآن ) فماذا يبقى من الدين ؟ فحاولوا الترقيع هنا بالقول إن العبادات وصلت إليهم عن طريق التواتر من مرحلة إلى أخرى أيّ أنّ الناس رأوا صلاة رسول الله صَلى الله عليّه وآله فنقلوها ووصلت إلينا ، وحجوا مع النبي ونقلوا كيفية حجه فوصل لنا بالتواتر .. ولذلك فإننا نصلي ونحج ونزكي بحسب ما هو معروف بين المسلمين . وهذا الجواب منهم غير نافع : أولا : لأنه كرّ على ما فروا منه . فهم بدؤا من رفض السنة واضطروا للرجوع إليها ، ولو بالاستعانة بالتواتر . وكان الصحيح أن ينبههم هذا على خطأ مسلكهم فإن النتيجة الخاطئة ينبغي أن تنبه إلى خطأ المقدمة والبداية . وكان عليهم أن يعملوا كما عمل المحققون من علماء الامامية من عدم قبول ( كل ) الروايات وإنما تحقيقها وتمحيصها واستخراج الصحيح منها ونبذ غير الصحيح ، لا أن نترك كل السنة المروية حتى الصحيح منها ! وثانيا : فإن التواتر لو تحقق في أصل وكيفية هذه العبادات فما هو العمل في غيرها ؟ مثل الشروط والمسائل التفصيلية ؟ مسائل الشك، النسيان، خطأٌ في الغسل ، خطأٌ في الوضوء؟ لا سيما مع اختلاف النقل في المدرسة الواحدة عن النبي فضلا عن المدرستين ؟ فالناظر يرى اختلاف فقهاء المذاهب الأربعة في هذه المسائل عند اول نظرة لكتب الفقه ! فماذا يصنع القرآنيون ؟ وماذا يصنعون في المسائل المستحدثة ؟ هذا في العبادات ! وإذا أتيت لباب المعاملات تجد خللاً كثيرا ، فعلى سبيل المثال: عدد المُحرمات في الشريعة يتحدث عنه العلماء في مجلدات[110] معتمدين فيها على الروايات ، فإذا استخدمنا مسلك القرآنيين بالاعتماد على القرآن فقط سننتهي إلى أربعة محرمات مثلا في قوله تعالى (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ)[111] فهذه هي أربعة أشياءِ محرمة ذُكرت في القرآن الكريم وما عدا ذلك فلا بأس به إن أردوا أنْ يأكلوا كلاباً مثلاً، أو قططا او أسُوداً أو نموراً فلهم ما يشاؤون من دابة الأرض وحشرات وزواحف ، لماذا؟ لأن الموجود في القرآن من المحرمات هو أربعة أشياء فقط ولا يوجد غيرها مُحرّم على طاعم يطعمه! فهذا جانب. وفي العلاقات الأسرية : بالنّسبة للمحارم : من المَعروف أن الخال والخالة هم من المحارم بالنّسبة إلى بنت الأخ أيّ أنّ الخال يستطيع النظر إلى ابنة اخته بلا حجاب وعلى العكس من ذلك، كذلك بالنّسبة إلى الخالة والعمّة إذ يستطيع ابن الاخ والاخت النظر إليهم بلا حجاب، لكنّ القرآنيين قالوا: بأنّه لم يوجد في القرآن الكريم بما يخص ذلك وإنما وُجدت آية ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) ولم يُذكر خالاتكم، أخوالكم، عماتكم و أعمامكم، فهم في نظرهم ليسوا من المحارم فيجب أن تتحجب الخالة والعمة عن أبناء الأخ و بنات الأخت، وكذلك تتحجب البنت عن خالها وعمها لأنّهم أجانب عنها. وفي الميراث يورثون الكافر من المسلم نظرا لأن عدم التوريث إنما جاء من جهة السنة ، ويستندون إلى اطلاق قوله تعالى (يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ) فلديّهم أنّ الابن يرث أبيه و إن كان كافراً على الرّغم من الروايات
--> 110 ) (فقه المحرمات) للمرحوم الإمام الشيرازي : مجلدٌ كامل من أجزاء موسوعة الفقه ،وهناك كتاب ( حدود الشريعة المحرمات) في مجلد كبير للشيخ آصف محسني من أفغانستان يحتوي على ذكر المحرمات مع أدلتها التفصيلية من القرآن والروايات . 111 ) الأنعام / 145