فوزي آل سيف

57

معارف قرآنية

ولكن نناقش هؤلاء ـ في الدائرة الامامية الشيعية ـ بالقول : أن جذور نشأة القرآنيين راجعة إلى ما حصل من التناقض عندهم بين كون الصحاح ( سنة قطعية ثابتة ، وأن صحيح البخاري هو أصدق كتاب بعد القرآن .. ) وبين كون رواياته مخالفة للعقل أو العلم أو متخالفة فيما بينها .. وهذا التناقض غير موجود لدى الامامية لعدم اعتمادهم على صحيح البخاري وأمثاله من جهة ، وعدم وجود كتاب ( صحيح تماما ) عندهم ، وإنما هم يخضعون الروايات لموازين النقد ، فإذا لم تتجاوزها لم يأخذوا بها ولم يعتمدوها ! فمن الناحية النظرية لا يوجد مبرر أصلا لنشأة القرآنيين في الوسط الشيعي . ليس لدى الشيعة تلك القيمة النهائية لكتب الحديث كالكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه ، بخلاف المدرسة الأخرى حيث يقولون بأنّه في حال وجود الرواية في كتاب البخاري فإنها ملزمة لنا لأن كل ما في هذا الكتاب صحيح وقيمته تُعد كقيمة القرآن الكريم ولا مجال فيه لرد الرواية تلك . إن المشكلة التي تواجه أتباع مدرسة الخلفاء لا تواجه اتباع مذهب أهل البيت ، فبإمكان الشخص أن يتخصص في دراسة العلوم التي ترتبط بالأحاديث وتحقيقها ، ويقوم بمناقشة أي رواية في أي كتاب من الكتب ، ويستطيع التوصل إلى نتائج فيها من دون أن يكون أمامه خطوط حمراء سابقة .. فإذا كانت الرواية فيها إشكال سندي فليس مجبورا على الأخذ بها ، وهكذا لو كانت في دلالتها مخالفة للعقل أو للعلم أو للأصول الثابتة فكذلك . وكذلك فإنه في مقابل ما ورد من روايات النهي عن الاحتفاظ بالسنة وكتابتها وتجريد القرآن منها ، في مصادر مدرسة الخلفاء ، فإن العكس هنا موجود إذ أن النبي قد أوصى بالقرآن وبسنته وبعترته الحاملة لسنته وعلومه وأخبر أن القرآن لا ينفك عنها وأنهما متلازمان حتى يوم القيامة )[104] وإن الذي جاء ب ( ما فرطنا في الكتاب من شي ) و( تبيانا لكل شيء ) هو نفسه الذي جاء ب ( وعترتي أهل بيتي ) . لذلك نتحدث مع بعض الإمامية ممن قد يتأثر بهذا التيار، أنّه إذا كان للطرف الآخر مُبررٌ ( صوري ) لسلوك ذلك الطريق وهو مبررٌ نسبي و إلا فإن التيار خاطئ، فأنت أيها الأمامي لا يوجد لديك أي نسبة من التبرير. وإذا كان التدوين الحقيقي للسنة في مدرسة الخلفاء لم يبدأ إلا في عهد مالك بن أنس وهو المتوفى سنة 179هـ وكانت بداية الفكرة في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز الأموي ( ت 101 هـ ) فهذا الكلام بعيد عن الإماميّة تمام البعد ، فهم يرفضون تمام الرفض القول المزعوم عن النبي صَلى الله عليّه وآله أنه نهى عن كتابة السنة، بل بالعكس لدَينا روايات عن رسول الله صَلى الله عليّه وآله عن طريق أهل البيت حول ضرورة تدوين العلم وكذلك عن أهل البيت . فراجعوا (الكافي) تجدون لديه بابا كاملا في تدوين العلم وهكذا باقي كتبهم الحديثية وأنّه ينبغي كتابة العلم و أنكم ستحتاجون إليها . و قد مارس الأئمة والمعصومون الكتابة فعلاً، فلدينا كتاب (علي بن أبي طالب) ومصحف فاطمة [105]، والجامعة وغيرها من الكتب التي دونت في تلك الفترة ، ووردت في حديث عن الامام الصادق وفي بعضها أنه إملاء رسول الله وكتابة علي وفيه حتى أرشَ الخدش أي (الجرح). إنه ليس من الصحيح أن تترك السنة وهي المبينة للقرآن والشارحة له لأجل أن كتابا أو كتابين قد نقلا أحاديث غير صحيحة ، أو أن نلغيها لأن بعض أحاديثها لا يقبلها العقل ، إن هذا مثل أن يكون بعض الأطباء في بلد مزيفين وأن شهاداتهم ليست حقيقية ، فيقوم المريض بترك العلاج نهائيا وعدم مراجعة الطبيب والأطباء .. حتى يموت أو يشتد مرضه . أو أن يكون بعض التجار غشاشين فنترك الذهاب للسوق والشراء .. وهو غير صحيح .. إنما الذي يحكم به العقل

--> 104 ) حتى يردا على الحوض .. 105 ) ذكرنا تفصيل القول في مصحف فاطمة وما فيه من العلوم في موضع آخر .