فوزي آل سيف
53
معارف قرآنية
فإذا أضيف إلى ذلك فكرة أن المهم هو تحقيق الغايات وليس الأحكام ، فقد رفعت هذه ( الشريعة ) إذن من التداول أولا لأن الكثير من أحكامها فقدت مبررها ، وما هو باق ـ ولو احتمالا ـ فهو رهين بمقاصده وغاياته ، وهي خاضعة للزمان والمكان والشخصيات وتختلف بحسب هذه فلا حكم ثابت إذن في هذه الشريعة . يبقى أمر العبادات وهي أيضا محكومة بغاياتها ومقاصدها ، وليست واجبات مطلقة ! فلم يبق شيء من هذا الدين سلبوا التشريع من القرآن ونصبوا أنفسهم العجيب في الامر انهم عزلوا القرآن عن التشريع لهذا الزمان وقد نصبوا أنفسهم مشرعين، فالمفكر والمثقف العربي الذي لا يكون عالماً في القضاء ولا عالماً في الإفتاء ولا ما يرتبط بهذه الأمور وإنما لديه فكرة قد استوردها من مكان آخر فقد جعل لنفسه منصباً قضائياً وهو منصب الإفتاء بأن الميراث لابد أن يكون بالتساوي بين الذكر والأنثى وأن الحجاب غير واجب وغيرها من القضايا، وهذا من أغرب المفارقات بأن هؤلاء الذين ليس لديهم صلاحية حتى ضمن الظروف الاعتيادية وليسوا متخصصين في الأمر يجعلون أنفسهم مشرعين، وسلبوا هذا عن القرآن في آياته والنبي في أحاديثه وقد خاطب الناس بقوله تعالى: ((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا))[93]. ثم ترقوا خطوة فجعلوا أنفسهم أكثر فهما من ربهم الذي قرر قوانين دائمة وباقية ، ناظرا فيها إلى ما يصلح عباده ، وجعلوه ـ تعالى الله عما يصفون ـ غافلاً في رأيهم عن أن الظروف ستتغير وستتبدل المجتمعات وانهم يحتاجون إلى قوانين أخرى، وقد ظنوا ان الله تعالى نسي فقد توجه إلى العرب في الزمان الاول ونسي المجتمعات الأخرى وتغيرها بعد مدة من الزمان ( وما كان ربك نسيا )[94] . وإذا كانوا قد ميعوا القرآن بهذا التدرج بالكامل ثم حيدوا الشريعة عن حياة الناس السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، بل وحتى العبادية ،فهم بالنسبة إلى الحديث النبوي وسنة الرسول لا يشترونها بمثقال ذرة ، فلا تستطيع حينئذ أن تستدل عليهم بأن ( حلال محمد هو حلال الى يوم القيامة، وأن حرامه هو حرام إلى يوم القيامة )[95]، وهذا من الاحاديث التي اجمع عليها الفريقان وهم مدرسة الخلفاء ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهو بالاضافة إلى ذلك مقتضى الخاتمية في رسالته ونبوته .فما كان قد وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبلغه على أساس الدوام فهو دائم وما كان دون ذلك من احكام ولائية مؤقتة فإنه يشار إلى انها مؤقتة بحسب زمانها ومكانها، وإلا فإن الأصل في التشريع هو دوامه واستمراره لأن التشريع ناظر إلى تكامل الإنسان، فصلاة الإنسان تصنع تكاملاً له سواء في القرن الأول أو في القرن العشرين. فهؤلاء الحداثيون تدرجوا، اولاً قاموا بتغيير مفهوم الوحي والقرآن الكريم النازل من الله عز وجل بواسطة جبرئيل وبعد ذلك قالوا أن القرآن بما انه كلام البشر فهو مرهون بظروف تاريخية زماناً ومكاناً وبيئة معينة، وينتهي هذا كله عندهم إلى ان أحكام الدين الإسلامي في يومنا هذا ليست واجبة الإتباع وإنما نستطيع أن نقرر بأنفسنا قرارات وقوانين في العبادات والمعاملات.
--> 93 ) الحشر / 7 94 ) مريم / 64 95 ) في الكافي 1/ 58 لثقة الاسلام الكليني بسند عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحلال والحرام فقال: حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجئ غيره، وقال: قال علي عليه السلام: ما أحد ابتدع بدعة إلا ترك بها سنة.. وفي سنن ابن ماجة 1/ 9 (وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ) .