فوزي آل سيف
52
معارف قرآنية
خامسا : لو كان القرآن كما قالوا بأنه تجربة انسانية ، أو انفعال شعوري أو أي تعبير مما قالوه ، من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلماذا تأخر كل هذه المدة ؟ ولماذا انتظر إلى السابع والعشرين من شهر رجب عندما بلغ الأربعين ، ليتلوه ؟ وقد قال صلوات الله عليه مجيبا عن هذا ومفندا الفكرة (ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ). سادسا : إن هذا الكلام يقتضي أن تتغير وظيفة الرسول إلى شيء آخر ، فالمرسل وهو الله هو من يعطى شيئاً للرسول وهو محمد حتى يوصله لغيره ، وأما بناء على هذه الفكرة سيكون الرسول أصيلا في صناعة القرآن وإنتاجه .. فأنت تلاحظ ـ عزيزي القارئ ـ أنه تحت عنوان التخلص من القراءة التقليدية للوحي ، والتفكير في قراءة جديدة انتهى الأمر لأن يكون النبي كما قال القرشيون شاعرا وكما قال المستشرقون صاحب حالات نفسية غير سوية ، وبالنتيجة كاذبا على الله ـ نعوذ بالله ـ وكاذبا على الخلق عندما يخبرهم بأنه لا يقول ذلك من تلقاء نفسه وإنما هو متبع للوحي ولما يأتيه من جهة ربه (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16).[91] العنوان الثاني : وهو بشرية النص القرآني: قالوا بأن هذا النص القرآني هو نص بشري وليس إلهي مقدس وليس نازلاً من السماء، وقد أتموا هذا بمحاولة ايجاد قراءة جديدة كما سموها للوحي ذكرناها فيما سبق من السطور ، وإذا كان بشريا لا مقدسا فسينتج هناك أمران : الأول أن يمكن محاكمته بالأدوات والمناهج التي تحاكم النصوص البشرية والأدبية، والتي تم تطبيقها في الحالة الغربية على التوراة والانجيل . والثاني أنه سيصبح متأثراً بثقافة المتكلم وبيئته وطبيعته ووضعه النفسي، ولذا فإنه غير صالح لكل زمان ومكان وإنما يصلح لبعض الأزمان وبعض البيئات والجماعات. وهو الذي سيتم الحديث عنه في : العنوان الثالث وهو تاريخية النص القرآني: • سيتجلى أثر القول بتاريخية القرآن في أحكامه وتشريعاته، وأنه في ذلك إنما كان استجابة لظروف وملابسات اجتماعية واقتصادية وسياسية معينة، ومع تغيرها لم تعد هناك حاجة له إذ أن ما يفرزه المتغير والمتحرك لا يمكن أن يكون ثابتا . وما هو محكوم بالظرف التاريخي في نشوئه لا يمكن أن يتعالى على التاريخ في استمراره . وهذا الكلام الذي ظاهره طبيعي ، سينتهي إلى ضرب فكرة خاتمية الرسالة المحمدية وصلاحيتها لكل الأزمنة .. بالطبع هذا لا يقال مرة واحدة ، وبشكل مباشر وإنما بالتقسيط وعلى دفعات ، فيقال إن أحكام الميراث كانت استجابة لظرف تاريخي معين كان في زمان العرب ايام بدء الاسلام حيث كانت المرأة كذا وكذا والآن تغيرت الظروف فلم تعد هذه الأحكام صالحة لأن الظروف التي استجابت لها هذه الأحكام لم تعد قائمة . والحدود والقصاص كذلك ، وانظمة الزواج والطلاق والتعدد والحجاب [92]وغيرها هي كذلك، وعموما .حتى لقد قال بعضهم أن كل الاسلام ( باستثناء الأركان الخمسة ) كان استجابة لأوضاع خاصة اجتماعية وجغرافية وهي منتهية بانتهاء أمد تلك الأوضاع !!
--> 91 ) سورة يونس 15ـ 16 92 ) وليس عجيبا هذا التركيز على ما يرتبط بقضايا المرأة على وجه الخصوص .