فوزي آل سيف
41
معارف قرآنية
أهل اليمين كأنهم لا ينتظرون النداء بأسمائهم وإنما يبادرون من الفرحة ويقدمون كتبهم فيقول أحدهم ، (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ) أي تعالوا و( انظروا إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ) (وظننت بمعنى استيقنت)[68] أي أنني كنت متيقناً من هذا الأمر فهو ( بناءً على هذا ) في عيشةٍ راضية، في جنة عالية ، قطوفها دانية ،. فهذا مشهد من المشاهد كلماته هادئة وخفيفة . وبشارات وطمأنينة (كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية )ومع الجنة التي هي معدة في الأساس للمؤمن بكل ما فيها ومع ذلك يحصل المؤمن على مزيد من التكريم والاحتفاء والدعوة للاستمتاع بما فيها ( كلوا واشربوا) . ومشهدٌ آخر : ( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) ياليتني لم أعط كتابيه) وياليتني كنت قضيت قبل أن أصل إلى هذا الموقف ثم يبدأ بعد ذلك الندم وتوبيخ الذات فيقول : مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29 )[69] .. فأين هذا التكبر والتجبر وأين الظلم والخيلاء ؟ وما نفع المال والسلطان والأعوان ؟ أين كل ذلك ؟ هلك عني سلطانية ثم يأتي بعد ذلك الجواب : فلا يقول إن مصيره جهنم أو القوه في النار وإنما يقول ( خذوه فغلوه )وكأنك تسمع الصوت وهنا تغيرت اللهجة ، فأين هذا وأين العيشة الراضية وأين الجنة العالية (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه) والسبعون هنا استخدمت للتكثير . فيصور القرآن بهذا البيان الجانب المفرح والمسر من جهة ، ومن أخرى الجانب الكئيب الحزين ، والرادع والمخيف والذي تسمع فيه خشخشة السلاسل ، وملائكة العذاب يقولون خذوه فغلوه ، نعوذ بالله من ذلك. ولهذا يستحب للإنسان أن يستعيذ بالله من نار جهنم وأن يطلب الجنة ، وأن يسأل الله الحور العين. في الدعاء ( اللهم اعذنا من عندك ، وأفض علينا من فضلك وانشر علينا من رحمتك وأنزل علينا من بركاتك ، اللهم أعتقنا من النار وأدخلنا الجنة وزوجنا من الحور العين [70]. الاعجاز التشريعي : هناك تشريعات في القرآن الكريم لو أن البشر التفت أليها وعمل بمضمونها لوصل إلى سر سعادته: أ/ إن إحدى أعظم المشاكل على مستوى العالم هي قضية التمييز على أساس العرق واللغة أو على أساس الدين والمذهب ..فكم من الجرائم ارتكبت في هذا حتى وصلت إلى الحروب والقتل على أساس أن هذا من تلك القبيلة وذاك من الأخرى ، أو أن هذا أبيض وذاك أسود وهذا من هذا المذهب وذاك من ذلك المذهب الآخر، وكم دفعت البشرية من أثمان غالية على أثر التمييز العنصري والعرقي والطائفي والمذهبي والديني ؟ إن القرآن هنا يقف موقفا حازما في أساس التفضيل ـ والشعور به هو الذي يدعو إلى التمييز وممارساته ـ فيقول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[71] لاحظ أن الخطاب للناس جميعا ، لا لأتباع دين دون آخر !! والقاعدة في الجميع سارية ! وبالتالي فهو يبطل كل ادعاءات التفوق الجنسي أو العنصري أو اللغوي أو الديني ،
--> 68 ) قال المفسرون بأن الظن المتعلق بالآخرة يقين ،وقال بعضهم : إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل ، وقد وردت الكلمة بمعنى استيقن في مثل قوله تعالى في سورة البقرة : (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46). 69 ) الحاقة 25 ـ 29 70 ) في وسائل الشيعة 6/ 466: عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال أربعة أعطوا سمع الخلائق : النبي صلى الله عليه وآله وحور العين والجنة والنار فما من عبد يصلي على النبي صلى الله عليه وآله أو يسلم عليه إلا بلغه ذلك وسمعه وما من أحد قال اللهم زوجني من الحور العين إلا سمعنه وقلن يا ربنا إن فلانا قد خطبنا إليك فزوجنا منه وما من أحد يقول اللهم أدخلني الجنة إلا قالت الجنة اللهم أسكنه في وما من أحد يستجير بالله من النار إلا قالت النار يا رب أجره مني . 71 ) الحجرات / 13