فوزي آل سيف

108

معارف قرآنية

ففي كلمة عصى ، وغوى .. في هذا الزمان تختلف عن معناها الأصلي في اللغة ،وقد يكون هذا راجعا إلى غلبة الخطاب الوعظي ، فصار المتبادر إلى الذهن من كلمة ( عصى ) المعصية التي يستحق فاعلها النار ، بينما أصل معناها في اللغة هو مطلق المخالفة ، وقد تكون مخالفة لأمر استحبابي فإن عدم الاغتسال في يوم الجمعة يعني ( مخالفة أمر الرسول بالغسل فيه ) وهو لا يوجب عقوبة الهية ، وقد تكون مخالفة لأمر إرشادي ( كمخالفة أمر الطبيب للمريض بأن يجتنب التعرض للهواء البارد مثلا ) وكلاهما لا يعد حراما من الناحية الشرعية ولا يستتبع العقوبة الالهية . هنا نحتاج إلى المبين المعصوم الذي يعرف المراد الجدي من الآيات ، أو يقام على خلاف الظاهر برهان عقلي يمنعنا من التمسك بالظهور الأولي الابتدائي . البرهان العقلي هو ما ذكر من لزوم نقض الغرض ، بمعنى أن الأنبياء لو كانوا يعصون ربهم وهو عالم بهم كان من الخطأ أن يصطفوا ، وأيضا فإن الناس لن يتبعوهم ويسيروا خلفهم ، أو يطيعوا أوامرهم ، فنحن لو رأينا إمام الجماعة يرتكب الذنب سنرفض الصلاة خلفه ، فكيف لو رأيت نبيا يعصي ربه هل تسمع كلامه ؟ وفي بعضها يمكن توجيهها بأن الأمر لم يكن مولويا تكليفيا وإنما هو ارشادي فيه بيان الآثار المترتبة على المخالفة ، مثلما هو أمر الطبيب ، خاصة وأن الجنة التي كان فيها آدم ليس فيها تكاليف ، ( لا تقربا هذه الشجرة ) فإنكم لو فعلتم ذلك سيحصل لكم ما لا يسركم .وتكونوا من الظالمين لأنفسكم باخراجكم إياها من الجنة ! ومن المعلوم أن البرهان العقلي الذي يمنع من قبول ارتكاب النبي المعصية ، أقوى من ظهور الآية الظني ، إذ البرهان العقلي قطعي بينما ظاهر القرآن ظني ، البرهان العقلي يقول يستحيل أن يكون النبي عاصيا ، فإذن لا بد من أن نحمل الآية المباركة على معنى آخر . وأما قصة نبي الله موسى كما ذكرت في الروايات .. فإن القرآن الكريم لا يفصل القصة وانما يأتي بإشارات ليستفيد منها القارئ العبرة ، خلاصتها كما جاءت في الآيات أن النبي موسى شاهد رجلين يقتتلان أحدهما من قومه المؤمنين والآخر من قوم فرعون أعدائه ، وقد استغاث الاسرائيلي بموسى على القبطي الفرعوني فوكزه موسى فقضى عليه ... لو أن روائيا أراد كتابة الموقف لاحتاج إلى صفحات ليبلغ مقصوده بينما يطويه القرآن في ثلاثة أسطر فهنا نحتاج إلى من يفتحها . لو فهمناها على ظاهرها الأولي لحكمنا بالقول السابق : موسى النبي قتل القبطي عمدا ، واعترف على نفسه بأن عمله ذاك عمل شيطاني .. لكن هذا يتخالف مع ما سبق وأن عرف القرآن نبي الله موسى وفضيلته .. فكيف يقوم نبي من الأنبياء العظام بمثل هذا العمل الذي يحوله من نبي إلى مجرم !! فهنا نحتاج إلى أن نستنطق أهل الذكر في رواياتهم التفسيرية ، وهم سيخبروننا عن أن المجتمع القبطي الفرعوني قد وصل مرحلة من الاضطهاد لأتباع النبي موسى بحيث كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، ويستخدمون سخرةً أصحاب القوة منهم .. وفي احدى هذه المرات كان قبطي يريد قتل اسرائيلي فاستغاث هذا بموسى فجاء مدافعا عنه ، فقتل القبطي هنا من ضربة موسى وكان يريد دفعه عن صاحبه .. فمات [206].

--> 206 ) في رواية عن الإمام الرضا عليه السلام ما يشرح هذه الآيات عندما سأله المأمون عن قول الله عز وجل ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان﴾ فقال عليه السلام إن موسى دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها وذلك بين المغرب والعشاء ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّه﴾ فقضى موسى على العدو وبحكم الله تعالى ذكره ﴿فَوَكَزَه﴾ فمات ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان﴾ يعنى الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين لا ما فعله موسى عليه السلام من قتله (إنه) يعنى الشيطان ﴿عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِين﴾ فقال المأمون: فما معنى قول موسى ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ قال: يقول: إني وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ أي استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني. عن عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق.