فوزي آل سيف

109

معارف قرآنية

وهكذا نسبة الذنب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله .. فكيف يمكن أن ينسب الله لنبيه ذنبا من الذنوب وهو الذي لم يخلق في الخلق من يساويه ؟ ثم ما هذا الذنب ؟ وتجاه من ؟ يفسر المعصومون ذلك بأنه الذنب في رؤية القرشيين ، وهو ما كانوا يتشكون منه عند أبي طالب قائلين له : إن ابن أخيك سب آلهتنا ، وأفسد شبابنا .. فلم يكن عندهم أحد أعظم ذنبا منه حيث قاوم عادات وديانة ذلك المجتمع القرشي ، فحقدوا عليه وحاولوا قتله ، وجيشوا الجيوش ضده حتى إذا فتح النبي مكة ، ووقف منهم ذلك الموقف الاخلاقي النبيل وعفا عنهم ، أزال ذلك الموقف ما في نفوسهم مما رأوه ذنبا عظيما له تجاههم [207]. القرآن مكي ومدني نتناول في هذه الأسطر موضوع المكي والمدني من السور والآيات ، وفوائد ذلك وآثاره في مجال العقائد والتاريخ والفقه. في مدة ثلاثة وعشرين عاماً كان الكتاب المجيد وآياته تتنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله بحسب اختلاف المواقع والأحوال في مكة المكرمة أولاً وفي المدينة المنورة فيما بعد ، وكان حرص المسلمين وفي طليعتهم مولانا أمير المؤمنين سلام الله عليه على تدوين كلما يرتبط بالقرآن الكريم ، وعلى توثيق نزول الآيات ؛ حتى يعرف سبب نزولها ويعرف المكان الذي نزلت فيه لتكتسب بهذه الطريقة زيادة في الثقة ، فليس الأمر أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان ينتج هذه الكلمات وهذه الآيات ولا أنّه كان يستقيها من أماكن أخرى، وإنّما كانت تنزّل بواسطة جبرائيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت هذه تدوّن وتسجّل وتوثّق، بل إنّ المعروف أنّ المصحف الذي كتبه أمير المؤمنين عليه السلام كان قد روعي فيه تاريخ نزول الآيات، فقد كان ترتيب القرآن الكريم بحسب ما كتبه الإمام على أساس نزول الآيات و تسلسلها وترتيبها ، ومن الطبيعي في هذه الأثناء أن يعرف ما هو المكي منها ، وما هو المدني ، لكنّ الذي حصل فيما بعد كما ذكرنا في بعض الأحاديث السابقة أنّه لم يتم اعتماد ما كتبه أمير المؤمنين بترتيبه هو، وعلى أيّ حال القرآن الموجود بين أيدينا الآن كما هو المعروف يشتمل على سور مكية وعلى سور مدنية ، وعلى ما هو خليطٌ بينهما ، يعني أنّ بعض السور هي مكية في الأصل ولكن يوجد فيها بعض الآيات مدنية . ما هو المكي وما هو المدني ؟

--> 207 ) في حوار المأمون العباسي مع الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام حول الآيات التي توهم ارتكاب الذنب ، لما أورد الآية المذكورة قال الامام الرضا عليه السلام: لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول الله (ص) لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنما فلما جاءهم (ص) بالدعوة إلى كلمه الاخلاص كبر ذلك عليهم وعظم وقالوا: (اجعل الآلهة الها واحدا ان هذا لشيء عجاب وانطلق الملا منهم ان امشوا واصبروا على آلهتكم ان هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة هذا إلا اختلاق) فلما فتح الله عز وجل على نبيه (ص) مكة قال له يا محمد: ( انا فتحنا لك) مكة (فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر لأن مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة ومن بقي منهم لم يقدر على انكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه فصار ذنبه عندهم ذلك مغفورا بظهوره عليهم. عيون أخبار الرضا 2/ 180