فوزي آل سيف
103
معارف قرآنية
ومثله في ترتيب أفعال الوضوء ، فعند البعض ربما يقال[179] بأن المطلوب هو هذه الأعمال من غسل الوجه واليدين والرأس بينما قد قرر الامام الباقر عليه السلام أن الترتيب لازم ، كما قال الله تعالى : ففي رواية زرارة عنه قال : تابع بين الوضوء كما قال الله عز وجل ؛ ابدأ الوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين ولا تقدمن شيئا بين يدي شيء تخالف ما أمرت به ، فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه وأعد على الذراع وإن مسحب الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم أعد على الرجل ابدأ بما بدأ الله عز وجل به [180]. 2/ بل يوضح الامام أن ترتيب الآيات فيما بينها قد يُشير إلى ترتيب الأعمال، ففي زكاة الفطرة ذكر العلماء أن الواجب أن تُخرجَ الزكاة ثم تُصلي، وأنه لمن أراد الصلاة يكون إخراجها هو من باب الصدقة المطلقة لا خصوص زكاة الفطرة .. وقد بين الامام عليه السلام أن هذا الترتيب جاء من قولهِ تعالى ( قدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)[181]. 3/ قد يؤدي الجمع بين آيتين إلى معرفة حكم لم يكن ليعرف لولا هذا الجمع .. وقد ذكر هذا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في قصةً امرأة حدثت في زمن الخليفة الثاني[182]، إذ جاء زوجها للخليفة يقول أنهُ تزوجها منذ ستة أشهر وأنها ولدت لهُ ولدًا، فهل خرج الجنين قبل أوانه أم أنها جاءت بما لا يرضي الله قبل زواجهما بثلاثة أشهر؟ أكثرُ الناس قالوا بأنهم لم يُصادفوا مثل هذه الحادثة من قبل، لذلك فإن ظاهرها وجود خيانة، والمرأة تبكي وتنكر ذلك، فسُئِل أمير المؤمنين (ع) ، فاستحضرها فقالت “واللهِ يا أبا الحسن ما جرت عليّ ريبة، وما عرفتُ رجُلاً قبله واللهُ شاهدٌ على ما أقول” فقال اتركوها وجمع بين الآيتين “وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا” و “وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْن” أي ٢٤ شهرًا، أي أن أقل مدةٍ للحمل هي ستةُ أشهر، فإذا نقص من الثلاثين شهرا مدة الرضاعة بقي مدة الحمل ، وهذا اعتبره دليلُ براءةِ المرأة، ونَسَبَ الولدَ إلى والديه، ونجّاها من التُهمة وربما من الحد. 4/ في مسألة القصر في الصلاة وهل أنهُ عزيمة، بمعنى أنهُ لا بد منهُ في السفر أم أنهُ رخصة، بمعنى أن الإنسان مُخيرٌ فيه؟ فالكثير من أتباع مدرسة الخلفاء قالوا بأنها رُخصة، مستندين إلى ظاهر القرآن الكريم حيث جاء فيه “فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ” أي أنكم لن تؤاخذوا لو قصرتم الصلاة في السفر ، ولكن الإمامية يرون أنها عزيمة، وقد أشار الإمام عليه السلام إلى تفسير آية بأخرى حيث قال إن التعبير ب( لا جناح ) موجود أيضا في السعي بين الصفا والمروة ومع ذلك لا أحد من العلماء يقول بأنه رخصة ، وإنما يجمعون على وجوبه على نحو العزيمة “فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا”. فكما أن السعي إلزامي في هذه الآية والمعتمر والحاج ليس مُخيرا فيه، فكذلك الحال ينطبقُ على آية القصر في الصلاة أيضا[183]. 6/ في موضوع غُسل الجنابة، يرى الإمامية أنه يُغني عن الوضوء، بل يرون أن الوضوء قبله أو بعده منهي عنه[184]، أما في مدرسة الخلفاء فيرون وجوب الوضوء قبل الغسل أو بعده[185]. وقد جاء رجلٌ إلى الإمام الصادق (ع) ونقل لهُ هذا الأمر
--> 179 ) قال السرخسي الحنفي في المبسوط: وإن بدأ في وضوئه بذراعيه قبل وجهه أو رجليه قبل رأسه، أجزأه عندنا ولم يجزه عند الشافعي رضي الله عنه، فإن الترتيب في الوضوء عندنا سنة. وحجتهم: أن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، ولو كان الترتيب مرادا لكان العطف بثم أو الفاء في آية الوضوء.. 180 ) وسائل الشيعة 1/ 449 181 ) في الفقيه عن الصادق عليه السلام انه سئل عن قول الله عز وجل قد أفلح من تزكى قال عليه السلام: من اخرج الفطرة قيل له وذكر اسم ربه فصلى قال خرج إلى الجبانة فصلى. 182 ) وسائل الشيعة 1: مقدمة التحقيق / 20 عن السنن الكبرى 7/ 442 183 ) وسائل الشيعة 8/ 517 184 ) عن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) وذكر كيفية غسل الجنابة فقال: ليس قبله ولا بعد وضوء. وقال: المحقق الحلي في (المعتبر): روي من عدة طرق عن الصادق (عليه السلام) قال الوضوء بعد الغسل بدعة. وسائل الشيعة ٢/ ٢٤٦ 185 ) يرى فقهاء المذاهب الأربعة أن الوضوء قبل الغسل مستحب ، ونقلوا عن عائشة زوجة النبي أن النبي كان يفعل ذلك . راجع الفقه على المذاهب الأربعة ..