فوزي آل سيف
75
فقه العلاقات الاجتماعية
علاقة الزوجين : بين القيم والتفاصيل الفقهية حقوق الزوجين بين ثلاثة خطابات : كيف يتحدث القرآن الكريم عن حقوق الزوجين ، وكيف يتحدث الفقه وكيف تتحدث الخطابات الوعظية ؟ لا بد أن نفرق بين ثلاثة أنواع من الخطابات ، خطاب القرآن في قيمه العامة . وخطاب الفقه في تشريعاته التفصيلية الإلزامية . وخطاب الروايات الأخلاقية والوعظية . فإن الخلط بين هذه الخطابات مما يوقع في سوء الفهم ، وسوء التطبيق . مثال على ذلك : إن من الخطابات الوعظية ما هو مثل ( أنت ومالك لأبيك ) ، ( لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها ) وهكذا في مثل قوله : ( ما زال جبرئيل يوصيني بالمرأة حتى ظننت أنه لا ينبغي طلاقها إلا من فاحشة مبينة ) فإن مثل هذه الروايات لا يمكن أن تكون تشريعا إلزاميا ، أو فقهيا .. ولهذا فإن التأكيد عليها كما لو كانت تحدد مسؤولية الولد تجاه أبيه أو الزوجة تجاه زوجها ليس صحيحا . وما يستفيد منه البعض في احتجاب حق صاحبه ليس كما ينبغي ، وإنما القيم العامة ، وتفاصيل التشريعات هي التي ينبغي أن تكون ميزانا دائما . والخطابات القرآنية خلفية للتشريعات الفقهية ، ولهذا ينبغي التأمل فيها : ـ ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )[224] : الأصل أن تكون القيم هي الحاكمة والمستهدفة ، لأنها الغاية الأولى وإن كانت الغاية القصوى هي رضا الله تعالى ، لكن لما كانت هذه القيم من الممكن أن تتعرض إلى سوء في الفهم ، أو نزاع في التطبيق والحدود جاءت الأحكام الفقهية ، وتحديد الحقوق ( كحد إلزامي ) لا يجوز تعديه ، في الطرف الآخر لكن يمكن أن لا يضطر إليه الإنسان ما دام يمكن أن يتعامل ضمن دائرة القيم . ثم إن المعروف وهو يعني الأمر المتعارف في المجتمع ، باب واسع ولهذا يمكن أن يكون حاكما أو موضحا لما ورد في بعض الروايات من حدود لا يمكن الالتزام بها في هذا الزمان مثل ما ورد من أن كسوة المرأة ثوب للصيف وثوب للشتاء ، فإن هذا هو من غير المعروف في هذا الزمان ، وإن كان في غيره معروفا .. كما أن الأمر يختلف بالنسبة إلى المحيط الاجتماعي الذي تعيش فيه المرأة والأسرة التي كانت تنتمي إليها . مثال : أصل الحقوق تحكمها قاعدة : ( لهن مثل الذي عليهن ) يعني أنه يوجد أخذ وعطاء ، فلا يكون طرف هو المعطي دائما والآخر هو الآخذ دائما ( ولا تعني المساواة في تفاصيل الحقوق مثل أنه إذا كانت المرأة يلزمها إذن الزوج فالزوج يلزمه إذن المرأة أو إذا كان الزوج ينفق عليها فهي أيضا تنفق عليه .. هذا ينتهي إلى الفوضى وإنما في تقرير أصل أن الطرفين متعادلين في المسؤولية ) لكن حتى لا يقع النزاع في أن هذا ما له ، وما عليه جاءت التشريعات الفقهية التي تحدد مسؤولية الزوج والزوجة . وهكذا ( عاشروهن بالمعروف ) المفروض أن تكون هي القيمة الحاكمة في الأسرة ، لكن لما كان يمكن أن يقع الاختلاف في حدود ذلك ، جاءت التشريعات الفقهية التفصيلية ، ولا يعني ذلك أن يتوقف كل منهما عندها ، وإنما يحاولان تحقيق العشرة بالمعروف ، فمثلا لا ينبغي أن تقول المرأة أن طبخ الطعام ليس واجبا علي ولا ترتيب المنزل أو تنظيفه وتتوقف عند ذلك ، كما لا يصح أن يقول الرجل أنه ليس واجبا علي أن أقول لها أني أحبك .. فإننا لو وقفنا في حدود الواجب لما كان هذا البيت سعيدا .. وإنما الحاكم هنا هو ( لتسكنوا إليها ) ومن الواضح أن السكن النفسي لا يحصل بدون تلك الأمور و( المودة والرحمة ) لا تحصل بالوقوف عند ذلك الحد .
--> 224 ) النساء: من الآية19