فوزي آل سيف

73

فقه العلاقات الاجتماعية

الثانية ماء الأولى أو إلى كونها أعمق منها . والثاني كما إذا جعل ملكه معمل دباغة أو حدادة في منطقة سكنية مما يوجب عدم قابلية الدور المجاورة للسكنى فيها . * الظاهر أنه لا فرق في عدم جواز تصرف المالك في ملكه بما يوجب الاضرار بالجار على أحد النحوين المتقدمين بين أن يكون ترك تصرفه فيه مستلزما للضرر على نفسه أم لا ، فلا يجوز للمالك حفر بالوعة في داره على نحو تضر ببئر جاره وإن كان في ترك حفرها ضرر عليه ، ولو فعل ضمن الضرر الوارد عليه إذا كان مستندا إليه عرفا . نعم لو كان حفر البئر متأخرا عن حفر البالوعة فلا شئ عليه ولا يجب عليه طمها وإن تضررت بئر الجار [218]. * احترام خصوصيات الجار وبرنامجه : بالرغم مما مر الحديث فيه عن استحباب تفقد الجار ، وزيارته ، وإكرامه والإهداء إليه ، إلا أن ذلك يجب أن لا ينتهي إلى انتهاك خصوصياته ، وإفساد برنامجه ، بأن يجعل الشخص بيت جاره متنزها له ، فكلما كان فارغا من برنامجه ، ذهب إلى بيت جاره وكأنه يذهب إلى متنزه ! فإن للجار خصوصيات وبرنامجا .. فيقع الجار بين محذورين كلاهما غير محبوب ، أن يسمح لجاره بالدخول وفي ذلك إفساد برنامجه الخاص من خروج أو مطالعة أو خلوة بأهله ، وأولاده ، أو فترة استراحة شخصية ، وبين أن يرده ولا يسمح له بالدخول وفي ذلك موقع حرج للاثنين ! لذلك على الجار أن يفكر في الأوقات المناسبة للزيارة ، مثل الوقت المعلن العام الذي يجلس فيه جاره في مجلسه ويكون قد فرغ نفسه لهذا الغرض ! أو يكون في مناسبة اجتماعية عامة يستقبل فيها ، أو ـ إذا أراد الانفراد به ـ أن يتصل به قبل ذلك لتحديد موعد مناسب له للزيارة ! وربما يتساهل بعضهم في هذا الأمر قائلا ( بين الأحباب تسقط الآداب ) أو أنه لا داعي لهذه الرسميات ، وربما تضايق من تحديد جاره وقتا معيناً ـ في آخر الأسبوع مثلاً ، واعتبره دليلا على عدم التواضع ! ولكن ينبغي أن يلاحظ أنه ( لا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه فإنه ليس بأخ لك من ضيعت حقه )[219] كما عن أمير المؤمنين عليه السلام . ماذا نصنع مع الجار المشاكس ؟ بالرغم من أن علاقة الجيرة علاقة اختيارية مبدأ واستمرارا ، وليست مثل علاقة الأبوة والبنوة والأخوة التي ليست باختيار الشخص في بدايتها ولا في استمرارها إذ لا يمكن للشخص في هذه الحالات أن يغير أباه ـ مهما كان سيئا ـ ولا أن يتبرأ من ابنه مهما كان عاقا بحيث ينفي بنوته عنه[220].. إلا أن علاقة الجوار ليست بهذا النحو فيمكن للإنسان أن يغيرها .. ولكن قد توجد ظروف ( مالية ، أو اجتماعية ، أو سياسية ) لدى الإنسان تجعل بقاءه في هذا المكان أمراً لازما ، وتغييره لمسكنه متعذرا أو متعسرا[221] .. وهذا ما يجعل النبي صلى الله عليه وآله يعبر عنه في الحديث الشريف مستعيذا من جار السوء في دار إقامة ! فقد يجاور شخصا سيئا في سفرة عابرة أو إقامة مؤقتة .. وهذا يهون أمره لسرعة انقضائه ، وقد يكون ذلك في دار الإقامة . فماذا يصنع الإنسان إذا ابتلي بجار السوء هذا ؟ * في البداية لا بد من القول إن التعامل الحسن يعقب علاقة جيدة حتى مع الجار السيء ، فإن هذا متوافق مع طبيعة الإنسان ، ويقرره القرآن الكريم قائلا ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [222]، كما تقرر الأحاديث أن حسن

--> 218 ) منهاج الصالحين - السيد السيستاني – 2/ 260 219 ) ميزان الحكمة 1/662 220 ) وما يقوله بعض الناس من أن فلانا ليس ابني ولا يرثني وربما أوصى بذلك ، فإنه لا أثر له من الناحية الشرعية .. فالولد يبقى مهما عق وساء ابنا له ، وتترتب على ذلك الآثار الشرعية من الإرث والمحرمية والنسب 221 ) ورد في أكثر من حديث : أن المؤمن لا ينفك من خصال : جار يؤذيه .. ويمكن أن يوجه هذا الحديث بما سبق من أن أنه قد تكون ظروف الإنسان تجعله في مثل هذا الموقف ، أو أنه يراد من المؤمن أن يتوقع مثل هذا حتى تكون درجة صبره وحسن معاملته عالية . 222 ) فصلت:34