فوزي آل سيف

72

فقه العلاقات الاجتماعية

وقد ورد في بعض الروايات تفسير العورة المحرمة بأنها إذاعة السر وفيه إشارة إلى هذه الجهة : ففي صحيحة عبد الله بن سنان ، قال : قلت له : عورة المؤمن على المؤمن حرام ؟ قال : نعم ! قلت : تعني سفليه ؟ قال : ليس حيث تذهب ، إنما هو إذاعة سره . وهو بلا ريب يشمل التجسس على حياته الشخصية والفكرية ونشاطه السياسي وطريقة حياته ، بحيث يخبر عنه الظالمين ، ويكون من أعوانهم ضده ، فقد يصل هذا إلى درجة العون على قتله . 2/ حرمة الاعتداء على أملاكه بالمصادرة والسرقة الخفية : وهذه أيضا وإن كانت محرمة بالنسبة للجميع لا لخصوص الجيران ، ولكن حيث الابتلاء بها أكثر ، أشرنا إليها ، ولا سيما في بعض الحالات ، مثل الأراضي المتجاورة والبساتين المتحاذية التي لا يوجد بينها جدر أو حيطان ، أو أن أوراق إثباتها غير واضحة .. ولهذا فقد تم النهي عن غصب أراضي الجار على وجه الخصوص ، كما في الخبر : من خان جاره شبرا من الأرض جعله الله تعالى طوقا في عنقه من تخوم الأرض السابعة حتى يلقى الله عز وجل يوم القيامة مطوقاً إلا أن يتوب ويرجع . 3/ عدم جواز إيذاء الجار وإزعاجه في منزله : فقد تبع تطور النمط العمراني من جهة وعدم قدرة كل الناس على استحداث منزل على أرض خاصة ، من جهة أخرى ، أن يسكن الكثير من الناس في شقق متجاورة ، وبنايات مشتركة .. وكان ينبغي أن يتبع ذلك فهم لقوانين العيش المشترك ، بهذا النحو .. وأنه يختلف عن نمط الحياة السابق الذي كان يعيش فيه الشخص في بيت مستقل على أرض خاصة ، وبالتالي لا يقيد ـ أي حد من حريته داخل منزله ـ أحد من الجيران .. إلا أننا وجدنا أن قسماً من الناس ـ الذين سكنوا في مثل هذه البنايات والشقق المتجاورة ـ يعيشون حياتهم وكأن الآخرين المجاورين لهم لا وجود لهم .. فإذا كان في الطابق الأعلى لا مانع لديه أن يقوم بإحداث الحركات المزعجة التي تؤثر على من هو في الطوابق السفلية ، وهكذا تجدهم يستمعون إلى الأصوات المختلفة بأعلى الدرجات من غير نظر إلى أن ما بينهم وبين جارهم إنما هو جدار رقيق .. ولا يلاحظ هؤلاء أن الليل هو وقت استراحة الآخرين .. خصوصا أولئك الذين يبكرون في الذهاب إلى أعمالهم .. ولا تقتصر قضايا الإزعاج والإيذاء على الأصوات ، بل تتعدد صورها ، فمن وضع الزبالة والنفايات عند باب الجار ، بدلا من إيصالها إلى موقع النفايات خارج البناية ، إلى إيقاف السيارة مثلاً في المكان المخصص له ، بل وأحيانا على باب ( الكراج ) التابع له بحيث أنه لا يستطيع الخروج .. وإغلاق الماء عليه مثلاً ، حتى يكون قويا متدفقا أكثر في مسكن الأول .. وقس على هذه القضايا غيرها .. إن الفقهاء يذكرون عددا من القضايا التي يمكن معها معرفة حكم أمثالها .. وحاصلها أنه لا يجوز فعل شيء بقصد الإضرار بالجار ، أو يعد إضرارا عرفيا به ، وإن لم يقصد الإضرار ..والطريق المشترك لعدة أبواب لا يجوز لأحد الساكنين التحكم فيه والتصرف به كملك شخصي بل يكون حكمه حكم سائر المشتركات بين الجيران .. ومن ذلك : * إذا لزم من تصرف المالك في ملكه ضرر معتد به على جاره فإن كان مثل هذا الضرر أمراً متعارفا فيما بين الجيران كإطالة البناء الموجبة لتنقيص الاستفادة من الشمس أو الهواء فالظاهر أنه لا بأس به ، وإلا لم يجز ولو تصرف وجب عليه رفعه ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون تصرفه في ملكه مستلزما للتصرف الحقيقي في ملك الجار أو مستلزما للتصرف الحكمي فيه . والأول كما إذا تصرف في ملكه بما يوجب خللا في حيطان جاره أو حبس ماء في ملكه بحيث تسري الرطوبة إلى بناء جاره أو أحدث بالوعة أو كنيفا بقرب بئر الجار فأوجب فساد مائها أو حفر بئرا بقرب جاره فأوجب نقصان مائها سواء أكان النقص مستندا إلى جذب البئر