فوزي آل سيف
61
فقه العلاقات الاجتماعية
المحكمة من وقائع الدعوى وأضاف شقيقها ان المتهمة سبق اتهامها بإلقاء خادمتها السابقة من شرفة مسكنها وأنه طلب منها عدم استقدام أية خادمة خوفاً على الخدم من غضبها.. وهكذا تتعدد الحوادث وتكثر في كثير من بلاد المسلمين ، ولو أردنا تتبعها لطال المقام ، ولكننا أوردنا هذه الوقائع الموثقة كشاهد على ما هو حاصل .. هدى الإسلام في التعامل مع الخدم : لو تأملنا في حياة المعصومين عليهم السلام ، وتعاملهم مع خدمهم ، لرأينا العجب ، فبالرغم من أن بعضهم كانوا ( ملك يمين ) وكانوا ـ بحسب مقاييس تلك الأزمنة ـ مملوكين لأربابهم ، إلا أن التوجيه الإسلامي كان صريحا ، في جهة اعتبارهم ( إخوة ) وأن كونهم تحت يد المالك لا يلغي إنسانيتهم ، وإنما يحمل المالك مسؤولية إضافية في رعايتهم والعطف عليهم ! ففي الحديث الذي يرويه أبو ذر الغفاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله إشارة إلى هذا المعنى ، قال المعرور بن سويد : رأيت أبا ذر الغفاري وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألناه عن ذلك ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : ( إخوانكم خولكم جعلهم الله تعالى تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فان كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم )[181] .. وروي عن أنس بن مالك أنه قال خدمت النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين فما أعلمه قال لي قط هلا فعلت كذا وكذا ولا عاب علي شيئاً قط [182]. وعن مختار التمار أن علي بن أبي طالب ، أتى سوق الكرابيس (الثياب) فوقف على غلام فقال: يا غلام عندك ثوبان بخمسة دراهم ؟! قال نعم عندي فأخذ ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم والآخر بدرهمين . ثم قال : يا قنبر خذ الذي بثلاثة !! فقال قنبر: أنت أولى به تصعد المنبر وتخطب الناس! قال الإمام: وأنت شاب ولك شرة الشباب، وأنا استحي من ربي أن أتفضل عليك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ألبسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون[183]. وكذلك نقرأ في سيرة الإمام الرضا عليه السلام انه كان يجلس على مائدة واحدة مع خدمه ومماليكه ومواليه، الأمر الذي يعتبر خلاف العرف الاجتماعي الخاطىء القاضي بالتميز على هؤلاء. حتى اقترح عليه بعض أصحابه وإنطلاقاً من هذا العرف أن يتميز عليهم وان يعزل للخدم والمماليك مائدة فرفض ذلك. بل ربما قام عليه السلام بمناولة خدمه الطعام، ففي الخبر عن نادر الخادم: كان أبو الحسن الرضا عليه السلام يضع جوزينجة على الأخرى ويناولني . وبينما اعتاد البعض من الناس لزيادة الأبهة والمظاهر الكاذبة، اعتادوا ايقاف الخدم على رأس الضيوف ناظرين إلى الأكل من غير حاجة لوقوفهم، فإننا نرى الإمام الرضا عليه السلام لم يكن يستخدم أحداً من خدمه، او يرسله في حاجة وقت طعامه إلا بعد أن ينتهي من تناوله وكما ينقل ياسر الخادم قال لنا أبو الحسن عليه السلام : إن قمت على رؤوسكم وانتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا ولربما دعا بعضنا فيقال هم يأكلون فيقول دعوهم حتى يفرغوا [184]. العاملات المنزليات في فتاوى الفقهاء: من خلال فتاوى الفقهاء المعاصرين يمكن لنا أن نلاحظ مجموعة من القوانين التي تنظم العلاقة بين العاملة المنزلية وبين مخدوميها ضمن الإطار الشرعي : 1/ ما يرتبط بقضايا الطهارة :
--> 181 ) عمدة القاري 13/107 182 ) مسند احمد - الإمام احمد بن حنبل - ج 3 - ص 100 183 ) مكارم الأخلاق 101 184 ) مستدرك سفينة البحار 6/531