فوزي آل سيف

45

فقه العلاقات الاجتماعية

ولعل قصة النبي يوسف التي فصلها القرآن الكريم ، فيها إشارة إلى هذا المعنى حيث أن زليخا قد ( َغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ )[152] ، وكان الغرض من وراء هذه الخلوة معلوما من جهة زليخا ، إلا أن النبي الكريم يوسف قد استعصم .. ولا فرق في مضمون اللقاء بين غير المتماثلين واختلائهما ، فما يقوم به بعض من تدريس خصوصي للمواد الدراسية ، أو تدريس ديني للعقائد والمسائل الشرعية إذا تحقق فيه عنوان الخلوة ، وكان لا يؤمن معها الوقوع في الحرام ، فلا يجوز ذلك ، ولا يبرره أننا نقوم بهذا العمل خيريا كان أو تجاريا ، وأن مضمونه ديني أو غير ديني . ومما سبق يعلم أن بعض الحالات لا ينطبق عليها عنوان الخلوة ، مثل كون رجل وامرأة في سيارة في وسط المدينة أو في الشوارع المزدحمة .. فهذه ليست محرمة لأنها لا تعتبر خلوة . ومثل ذلك ما إذا كانا في مكتب عمل وقت الدوام الرسمي ، وكانا بحيث يمكن أن يدخل عليهما المراجعون .. فهذه لا يصدق عليها عنوان الخلوة . وقد يكونان في صف دراسي أو مكتب عمل ، أو في منزل ولا يكون معهما أحد ولكنهما يأمنان على نفسيهما من الوقوع في الحرام ، إما لجهة شخصية في نفسيهما ، أو لجهة أخرى .. فهذه وإن صدق عليها عنوان الخلوة ، إلا أنهما لما كانا مأمونين من الوقوع في الحرام ( ولو بمقدار النظرة المحرمة ) فإنها غير محرمة[153] لهذه الجهة .. ولعل الفتاوى المجوزة في الهامش تشير إلى إحدى الجهتين هاتين . وربما يكون المانعون عن الخلوة مطلقاً ناظرين إلى الحالات الاجتماعية الكثيرة التي تسببت فيها الخلوات بمشاكل ومآس .. 2/ الوقوف أمام الاستدراج للعلاقة الجنسية : لا تأتي المصيبة مرة واحدة وإنما على دفعات ! ولا يحصل السقوط من في الخطوة الأولى ، ولكنها تنتهي إليه مع عدم التراجع عنها .. إن المكالمة التلفونية غير المتزنة . وتبادل المشاعر من خلال المحادثة والـ ( chat ) والخروج في أماكن عامة في البداية ، ينتهي إلى المواعدة في أماكن خالية وعندئذ يحدث المحذور .. وتستيقظ الفتاة على المشكلة ولكن .. بعد فوات الأوان . يبدأ الأمر لدى بعضهن ـ وبعضهم ـ بأن القضية تجربة ، فلنخض هذه التجربة ! وبأنها تختلف عن الأخريات ! وهو يختلف عن الآخرين ! فلن يحصل منهما إلا كل خير ! إن النهي عن الخضوع بالقول والتغنج في الحديث ، هو لكيلا ( َيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) ، وإن التحذير من المراسلة ، وكثرة المحادثة ، وإن منع التبرج والتكشف وإظهار الزينة ، ناشئ من الفهم الحقيقي لما سيحدث على أثرها من علاقات ونهايات .. لقد رأيت ذات مرة على الانترنت مقالا جميلا ، كتبته ـ بحسب أكثر من موقع الكتروني د. عزة مقاو الطبيبة النفسية .. وهو تحليل رائع للعملية التي تحدث عندما يجتمع الشاب والشابة في مثل هذه الظروف .. وسأنقل جانبا منه لما فيه من الفائدة هنا ، تقول الدكتورة في مقالها الذي كان بعنوان ملفت وهو الاغتصاب بموعد سابق : كيف يحدث الاغتصاب بميعاد سابق ؟ هل يقع الاغتصاب بين الأصدقاء .. ؟ عندما نسمع كلمة اغتصاب، ما الذي تثيره داخلنا هذه الكلمة ؟ هل نفكر في أن امرأة ما، سارت وحدها في الظلام الدامس في ليلة سوداء، وفوجئت بمن يظهر لها طالباً اغتصابها؟ إن هذا عادة ليس ما يحدث في الاغتصاب، لأن معظم حوادث الاغتصاب لا ترتكب من أغراب، وهذا ما أثبتته إحصائيات الشرطة، ولكن أغلب حوادث الاغتصاب تقع من شخص له

--> 152 ) يوسف: من الآية 23 153 ) على الرأي القائل بعدم حرمة الخلوة مع الأمن من الوقوع في الحرام .