فوزي آل سيف

40

فقه العلاقات الاجتماعية

يرطب العلاقة بين الاثنين .. ويشير إلى بعض ما يكره العاتب لكي يتجنبه الطرف الآخر في المستقبل .. غير أنه توجد نصوص مخالفة لهذا وجهات معارضة للعتاب ، فتوجه إلى خلاف ذلك وتقول : ( احتمل أخاك على ما فيه . ولا تكثر العتاب فإنه يورث الضغينة ، ويجر إلى البغضة واستعتب من رجوت اعتابه ) وحذر الإمام علي من الإفراط في اللوم والعتاب وتكرار العتاب فقال : ( الإفراط في الملامة يشب نار اللجاجة ). و( إياك أن تكرر العتب ، فإن ذلك يغري بالذنب ، ويهون العتب )[136] . وأنشد[137] الإمام علي الرضا عليه السلام المأمون العباسي ، عندما استنشده أحسن ما رواه في السكوت عن الجاهل وترك عتاب الصديق فقال عليه السلام : إني ليهجرني الصديق تجنبا * فأريه أن لهجره أسبابا وأراه أن عاتبته أغريته * فأرى له ترك العتاب عتابا وفي المأثور من شعر بشار بن برد: إذا كنت في كل الأمور معاتبا * صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحدا أوصل أخاك فإنه * مقارف ذنب مرة ومجانبه إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى * ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه وفي الجمع بين القولين ، والوجهين : يمكن القول : * قد يكون المذموم هو كثرة العتاب ، والإفراط فيه لا أصل العتاب .. ولذلك تم النهي عن تكرار العتاب بحيث كلما رأى الشخص صاحبه قام بمعاتبته ! هكذا الإفراط في الملامة ، فإن زيادة ذلك يفقد العتاب تأثيره الايجابي بل ربما جعل المعاتَب في موقف دفاعي حيث تأخذه العزة والانتصار لنفسه ، فيمتنع عن الاعتراف بخطئه ولا يسعى في تغييره ، ومن جهة أخرى تسوء العلاقة بينه وبين العاتب عليه . ولا سيما لو كانت المعاتبة في الصغائر من الأمور التي قل أن يخلو منها إنسان .. ولهذا لا ينبغي أن يعاتب الإنسان في ( كل الأمور ) وإلا فإنه سوف لن يلقى صديقا خاليا من موجبات العتاب ! * وقد يكون المذموم هو العتاب الناشيء من غرض الانتصار على المعاتَب ، وتحقير شخصيته لا سيما لو كان أمام الآخرين .. بينما الممدوح من العتاب هو ما كان المقصود منه إبراز محبة العاتب ، وحرصه على كمال المعاتب ، وإظهار مودته له ، كأن يقول له بأنه لمعزته لديه وحسن موقعه عنده كان يتوقع منه كذا وكذا .. ولا يتوقع من غيره لأن الغير ليس له نفس المحل والموقع .. ويحرص في إبان ذلك على بيان محبته له ، متوددا ومتلطفا ، حيث ورد في تعريف العتاب بأنه مع الإدلال .. ولهذا روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله : إذا عاتبت فاستبق ! يعني لا يكن العتاب طريقا إلى القطيعة ، بل إلى الإبقاء على العلاقة ، فلا تكن قاسيا ، ومتشنجا في العتاب بحيث لا يبقى مجال بين الصديقين للعودة ، وإنما يكون العتاب مقدمة لفسخ العلاقة ! كلا بل حتى لو احتاج إلى العتاب فليعاتب ولكن يلاحظ الإبقاء على العلاقة . * وقد يكون المذموم من العتاب هو اللوم قبل سماع العذر ، أو بعد سماعه مع عدم قبوله .. بينما الممدوح هو العتاب الذي يقترن باصطناع العذر له ، أو قبول عذره .. ففي وصف أمير المؤمنين عليه السلام لصاحب له ( قيل إنه يقصد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقيل يقصد أبا

--> 136 ) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 4 - ص 2813 137 ) تحف العقول - ابن شعبة الحراني - ص 84 - 85