فوزي آل سيف
39
فقه العلاقات الاجتماعية
وليس يعني ذلك أن لا يطمئن إليه ! كلا فلو كان الأمر هكذا لما تأسست علاقة ومودة وإنما أن لا يلقي إليه بكل الطمأنينة ، ويفضي إليه بكل الأسرار الشخصية والخاصة .. كما أوضح ذلك الإمام الصادق عليه السلام في حديث له ( ولا تطلع صديقك من سرك إلا على ما لو اطلع عليه عدوك لم يضرك فإن الصديق قد يكون عدوك يوما ما)[133] . ولعل سائلا يسأل : هل هذه دعوة إلى التشكيك في الأصدقاء ؟ وعدم الثقة بهم ؟ والجواب على ذلك : كلا إنما هي دعوة للتعقل وأن لا ينساق الإنسان وراء عواطفه بحيث يصبح صفحة مفتوحة على كل وارد ! وإلى هذا تشير أحاديث أخر مفسرة عدم الاطمينان بأنه ، ما قبل الاختبار والكشف .. وعلى فرض الاختبار فإنه ليس مضموناً إلى آخر العمر ! فـ ( لا تثق بالصديق قبل الخبرة ) وذلك لأن ( الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار عجز) كما يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام[134] . 3/ (وأعطه كل المواساة ) كما سبق وأن قلنا بأن للصداقة مضموناً ، يترجم الصدق فيها .. وربما كان ذلك سببا في تسمية الصديق صديقا ، وهذه العلاقة بالصداقة ، لأنها تصدق مضمونها بالأفعال ، فيصدق فيها الأول للثاني بوده ، ويترجم ذلك بمواساته في حاجته ، وإعانته في أموره التي تهمه ! لقد بلغت المواساة حدا عاليا ، عندما صارت وساما جعله الأمين جبريل عن الله عز وجل على صدر الإمام علي عليه السلام ، في واحد من أصعب المواقف وأكثرها حرجا ، بعد أن فر من فر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ، وثبت علي عليه السلام إلى جانبه بعدما قتل أصحاب الألوية الكافرين ، وثبت يصد الهجمات عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال جبريل : إن هذه لهي المواساة ! فقال النبي صلى الله عليه وآله : إنه مني وأنا منه [135]! وقد عرفوا المواساة بأنها النصرة بالمال والنفس ، يقال : آسيته بنفسي أو بمالي أي جعلته شريكا .. 4/ العتاب هل هو حبالة المودة أو يورث الضغينة ؟ لا تخلو علاقة بين اثنين من موجبات العتاب من أحدهما على الآخر عادة ، فماذا نصنع في مثل هذه الحالات ؟ هل نعاتب أو نمتنع عن العتاب ؟ إن الناظر للعلاقات الاجتماعية يلاحظ الصنفين من الناس ، فمنهم من يلح في المعاتبة ، ومنهم من يترك الأمر وكأنه لم يحدث ؟ فما هو الموقف الصحيح ؟ هل ترك الشخص من غير عتاب ينتهي إلى أن لا يعرف خطأه ولا يصحح تقصيره في حق صاحبه ؟ أو أن العتاب قد يوغر الصدور ويسيء إلى العلاقة ؟ ومن الممكن أن يقطعها كما نرى في حالات كثيرة ؟ كما أن الناظر إلى كلمات المعصومين عليهم السلام ، والمأثور من أقوال الحكماء يجد أن لكلا الموقفين ما يبرره ؟ فما هو الموقف عندئذ ؟ إن كلمات مثل : ( العتاب حياة المودة ) ، و (عاتب العاقل يحببك ) كما نقل عن الإمام علي عليه السلام ، وفي المأثور في شعر العرب : أعاتب ذا المودة من صديق * إذا ما رابني منه اجتناب إذا ذهب العتاب فليس ود * ويبقى الود ما بقي العتاب تفيد بأن العتاب أمر مطلوب فإنه يشعر بقوة العلاقة والصداقة ، واهتمام العاتب بأمر المعاتَب ، وتوقعه منه أن يكون في مستوى أفضل وإلا لم يكن ليعاتبه ! كما أن العتاب الهادئ
--> 133 ) تحف العقول / 312 134 ) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 2 - ص 1589 135 ) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد - - ج 6 - ص 114 عن أبي رافع قال لما قتل على أصحاب الألوية قال جبريل عليه السلام يا رسول الله إن هذه لهي المواساة فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه منى وأنا منه قال جبريل وأنا منكما يا رسول الله ! وفي الكافي للشيخ الكليني 8/110