فوزي آل سيف

38

فقه العلاقات الاجتماعية

من علم الأسود المخصي مكرمة * أقومه البيض أم آباؤه الصيد أم أذنه في يد النخاس دامية * أم قدره وهو بالفلسين مردود وذاك أن الفحول البيض عاجزة * عن الجميل فكيف الخصية السود تأتي الحكمة المتعالية من أمير المؤمنين علي عليه السلام ، أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما .. لكن كيف تكون تلك العلاقة متعادلة ومتوازنة ؟ يشير الإمام عليه السلام إلى نقاط هنا : الأولى : ( ابذل لأخيك كل المودة) لا ينبغي أن تكون العلاقة ، مع كونها متعادلة علاقة مجاملات فارغة من المحبة ، أو عرية عن المودة ، كالذي نراه في بعض المعاملات التجارية ، فالبائع يبذل الابتسامة الصائدة للزبون ، حتى إذا استولى على أمواله ، انتهت العلاقة بينهما ! لا تتعامل مع أخيك ضمن إطار المجاملات الفارغة والابتسامات الصفراء ! بل ابذل له المودة ، وامنحه المحبة ، تمثل نموذج اخوان الصفاء لا أخوان المكاشرة ! إن اللغويين يفرقون بين المحبة والمودة بأن المودة فيها زيادة على المحبة بإظهارها من قبل المحب لسانا وفعلا .. وليس مطلوبا من الإنسان أن يكون كاذبا في مشاعره أو مبالغا في إبداء عواطف غير موجودة .. وإنما ما يشعر به الصديق تجاه صديقه ، وشريك الحياة الزوجية تجاه شريكه الآخر ، من محبة ومودة أو إعجاب فليبده له ويظهره ، فإن ذلك آكد في تثبيت العلاقة وتركيزها[131] . ومن مظاهر المودة الاحترام في المحافل ورعاية حقه أمام الآخرين فلا يصح أن يتصور الإنسان أنه ما دام هذا صاحبه وصديقه ، فـ ( بين الأحباب تسقط الآداب ) ! بل بالعكس فإنه ( ليس بأخ لك من ضيعت حقه ) . وتتعمق الصداقة بالهدية والهبة والصلة والمصافحة بل المعانقة .. ولذا : لا تكون الصداقة إلا بحدودها ، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منها فانسبه إلى الصداقة ومن لم يكن فيه شيء منها فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة فأولها أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة ، والثاني أن يرى زينك زينه وشينك شينه ، والثالثة أن لا تغيره عليك ولاية ولا مال ، والرابعة أن لا يمنعك شيئاً تناله مقدرته ، والخامسة وهي تجمع هذه الخصال أن لا يسلمك عند النكبات[132] . 2/ ( ولا تبذل له كل الطمأنينة) .. في نفس الوقت الذي ينبغي أن يبذل الشخص كامل المحبة والمودة لصديقه ، إلا أنه ينبغي أن يكون عاقلا وواعيا إلى تغير الأوضاع واختلاف الأزمنة ، وأن الشخص ـ أي شخص ـ ليس حالة واحدة ثابتة دائما وإنما قد يتعرض بدوره إلى التغير والتبدل ! ونحن نرى الواقع السياسي والاجتماعي وما يشهده من تبدل في المواقع ، والمواقف ، الناشيء عن تبدل القناعات تارة والمصالح أخرى والحالة النفسية ثالثة ، شاهدا أكيدا على هذا المعنى المذكور .. إن الرضا والغضب ، والإعطاء والمنع ، والإقبال النفسي والإدبار ، والتوافق في القضايا والتخالف ، كلها عوامل قد تؤثر في صداقة الأصدقاء وتفسدها أو تغيرها ! فإذا عقد الإنسان مع شخص علاقة صداقة مع آخر فينبغي ـ وهو يبذل له كل المودة ـ أن يلحظ أن هناك إمكانية في تغير هذا الإنسان ، أو تغيره هو نفسه ، وبالتالي فلا ينبغي أن يبذل له كل الطمأنينة ..

--> 131 ) سياتي في الحديث عن العلاقة بين الزوجين ، أهمية إبداء المحبة من كل منهما للآخر ، فـ ( قول الرجل لزوجته إني أحبك لا يذهب من قلبها أبدا ) . 132 )الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - ص 639