فوزي آل سيف
36
فقه العلاقات الاجتماعية
6/ وقد ذكرت الروايات اجتناب : الخائن ، والظلوم ، والنمام ، لأن من خان لك خانك ، ومن ظلم لك سيظلمك ، ومن نم إليك سينم عليك . وهذه تعليلات اجتماعية ونفسية رائعة ، فإن صاحب العادة المتحكمة فيه ، لا ينجو من آثارها عادة . وهناك تحذير من مصاحبة من يتناول أعراض الناس ، ويستلذ بها كلاما وفعلا ! وذلك لأنه حين يكون هكذا لا يفرق بين صديقه وغير صديقه ، بل ربما كان الأسوأ بالنسبة إلى صديقه حيث يأتمنه هذا ، بينما هو يخونه ! وكم سمع من خيانات ـ فعلية وقولية ـ من قبل هؤلاء في أعراض أصحابهم .. ولأجل هذا فقد حذر الإمام الحسن عليه السلام من هذه الفئة ، قائلا : إذا سمعت أحداً يتناول أعراض الناس فاجتهد أن لا يعرفك ، فإن أشقى الأعراض به معارفه. كما تم التحذير من الكذاب : وذلك واضح لأنه يقلب الحقائق ، فـ ( يقرب عليك البعيد ويبعد لك القريب ) وتستطيع أن تعرف الآثار المدمرة لهذه الصفة عندما تختل مقاييس النظارة التي يلبسها الإنسان ، فإذا به يرتطم بقوة بسيارة مسرعة وهو يظنها بعيدة عنه ! أو يتوقف وسط الطريق خوفا من جودها بينما هي في غاية البعد عنه !! بل هو كسراب الماء ( يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً)[127]. ليس فقط يقلب الحقائق بل يصنع الأكاذيب ، ( كلما أفنى أحدوثة مطرها بأخرى مثلها حتى أنه يحدث بالصدق فما يصدَّق !) إنه مصنع أكاذيب لا تنتهي ، ومع ذلك فقد شبهته بعض الروايات بالميت ، وذلك لأن فرق ما بين الحي والميت هو الثقة بكلامه والاعتماد عليه ، فإذا كُذب في كل حديثه ولم يوثق بشيء ينقله ، فما فرقه عن الميت ؟ . 7/ كما أن الجاهل ، والأحمق ، وسيء الرأي .. من تلك الفئات التي حتى لو أرادت النفع لصاحبها ، لا تستطيع إلا أن تضره .. لما انطبعت عليه من إساءة التصرف الراجع إلى سوء الرأي وخطل الفكر . فإن: صديق الجاهل متعوب منكوب. كما عن الإمام علي عليه السلام مقررا كون : عدو عاقل خيراً من صديق أحمق. وبمقدار ما يكون الأحمق قريبا منك فإنه أقرب إلى الاضرار بك ، وليس ذلك عن خبث بالضرورة ، بل (يريد أن ينفعك فيضرك ). لقد ذكروا في الأمثال العربية أن أعرابيا عثر على دب صغير ـ والدب يعرف بالحمق ـ فرباه وأطعمه ، حتى كبر ، وذات يوم رأى الدب صاحبه قد نام ، وذبابة تحط وتطير على وجهه ، وكلما ذبها عنه رجعت إليه ، فقام بحل المشكلة بأن أخذ صخرة كبيرة ليضربها بها وهي على وجهه .. والنتيجة أن تهشم وجه الأعرابي بالصخرة وطارت الذبابة ساخرة من حمقه ! النموذج الأسوأ : مثلما كان هناك مثل أعلى في الصداقة ، والصحبة قد تقدم ، فإن هناك نموذجا أسوأ يتحدث عنه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله : احذر ممن إذا حدثته ملك ، وإذا حدثك غمك ، وإن سررته أو ضررته سلك فيه معك سبيلك ، وإن فارقك ساءك مغيبه بذكر سوأتك ، وإن مانعته بهتك وافترى ، وإن وافقته حسدك واعتدى ، وإن خالفته مقتك ومارى ، يعجز عن مكافأة من أحسن إليه ، ويفرط على من بغى عليه ، يصبح صاحبه في أجر ، ويصبح هو في وزر ، لسانه عليه لا له ، ولا يضبط قلبه قوله ، يتعلم للمراء ، ويتفقه للرياء ، يبادر الدنيا ويواكل التقوى . لعل سائلا يقول .. قد لا يخلو شخص من نقطة سلبية فيه ، فماذا نصنع ؟ والجواب على ذلك : أولا : إن هناك بعض الصفات المركزية في شخصية كل إنسان فإذا كانت صفاته المركزية والأساسية حسنة ، فلا مانع من مصاحبته وإن كان لديه صفات أخرى سيئة ، فلو كان عاقلا ولكنه بخيل .. فلا مانع من مصادقته مع الاحتراس من سيء أخلاقه في
--> 127 ) النور: من الآية39