فوزي آل سيف

24

فقه العلاقات الاجتماعية

ومن الأصول الأخلاقية التي جاء بها الأنبياء ، بعد عبادة الله سبحانه لا شريك له ، أصل الإحسان إلى الوالدين : فتقول إحدى الآيات : إن العهد والميثاق المأخوذ على بني اسرائيل هو : النهي عن الشرك ، والإحسان إلى الوالدين . وفي الآية الأخرى يخاطب النبي : قل تعالوا أتل عليكم : حرمة الشرك ولزوم الإحسان إلى الوالدين .. وفي آية ثالثة بأن الله سبحانه قضى أن لا يعبد إلا هو ، وأن يحسن إلى الوالدين . إن اقتران الإحسان إلى الوالدين بتوحيد الله سبحانه يرفعه من حيث المقام من كونه مسألة شرعية من الفروع بحسب الاصطلاح إلى مرتبة الأصول ، وهذا التعبير يدل على أهمية القضية . وفي بعضها تفصيل ( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً)[99] بحيث يشمل النهي عن الإهانة حتى مثل هذا الفعل الضئيل وهو قول أف . وأما الأحاديث فالناظر إليها تخالجه الحيرة من المساحة الأخلاقية التي أعطيت لهذه القضية في التأكيد على طاعة الوالدين ، وعدم جواز التخلف عن أوامرهما ، وقد قدمنا جانبا منها فيما سبق . لكن هل يجب طاعتهما في كل أوامرهما ؟ ويحرم معصيتهما كذلك ؟ ربما لو اقتصرنا على الروايات ( الأخلاقية ) لرأينا أن جوها وسياقها العام كذلك ، بل تصريح بعضها ( وإن أمراك أن تخرج من اهلك ومالك فافعل ) ! غير أن هذا الأمر لا يلتزم به الفقهاء المعاصرون ، وإنما يرون أن الواجب على المسلم هو المعاشرة بالمعروف وحسن السلوك معهما ، وأن إيذاءهما محرم .. وأما الطاعة في كل الأوامر فلم تثبت بدليل يعتمد عليه ! وربما يستفاد من كلام الشهيد الأول رحمه الله شيئاً أكثر من هذا وأوسع كما ورد في كتابه القواعد والفوائد ، حيث قال فيه : - يجب للوالدين ما يجب لغيرهما ويحرم ما يحرم لغيرهما ، لكن ينفردان بأمور : الأول : تحريم السفر المباح بغير إذنهما ، وكذا السفر المندوب . وقيل: بجواز سفر التجارة وطلب العلم ، إذا لم يمكن استيفاء التجارة والعلم في بلدهما. الثاني : قال بعضهم: يجب عليه طاعتهما في كل فعل وإن كان شبهة ، فلو أمراه بالأكل معهما من مال يعتقد شبهته أكل ، لان طاعتهما واجبة ، وترك الشبهة مستحب . الثالث : لو دعواه إلى فعل ، وقد حضرت الصلاة ، فليؤخر الصلاة وليطعهما ، لما قلناه . الرابع : هل لهما منعه من الصلاة جماعة ؟ الأقرب أنه ليس لهما منعه مطلقاً ، بل في بعض الأحيان بما يشق عليهما مخالفته ، كالسعي في ظلمة الليل إلى العشاء والصبح . الخامس : لهما منعه من الجهاد مع عدم التعيين ، لما صح : أن رجلا قال يا رسول الله : أبايعك على الهجرة والجهاد . فقال : هل من والديك أحد حي ؟ قال : نعم ، كلاهما . قال : أفتبتغي الأجر من الله تعالى ؟ قال : نعم . قال : فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما . السادس : الأقرب أن لهما منعه من فرض الكفاية ، إذا علم قيام الغير أو ظن ، لأنه يكون حينئذ كالجهاد الممنوع منه . السابع : قال بعض العلماء : لو دعواه في صلاة النافلة قطعها ، لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله : ( أن امرأة نادت ابنها ، وهو في صومعته ، فقالت : يا جريج . فقال : اللهم أمي وصلاتي . فقالت : يا جريج . فقال : اللهم أمي وصلاتي . فقالت : لا تموت حتى تنظر في وجوه المومسات . . . . ) الحديث وفي بعض الروايات : أنه صلى الله عليه وآله قال : ( لو كان جريج فقيها لعلم أن إجابة أمه أفضل من صلاته ) . وهذا الحديث يدل على قطع النافلة لأجلها . ويدل بطريق الأولى على

--> 99 ) الإسراء: من الآية23