فوزي آل سيف

18

فقه العلاقات الاجتماعية

بالإضافة إلى ما ذكر من أن هذه الولاية أمر فطري جبلي بمعنى أن كل أب ـ سليم ـ مفطور خلقةً على أن يهتم بولده الصغير ، وينفق عليه ويسعى في الخير له ، ولعل هذا راجع إلى أن الولد يمثل امتداد الوالد ، فكأنّ الوالد لحبه لنفسه وامتداده وبقائه يقوم بالعناية بولده ، وينفق عليه .. ولعل في الآية المباركة ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ )[74] إشارة إلى هذا ، حيث أنهم كانوا يقتلون أولادهم على أثر فقرهم أو خوفهم من الفقر مع وجود الأولاد وكونهم ملزمين بالإنفاق عليهم ، فكانوا يختارون الطريق السيء وهو أن يقتلوهم لكيلا " يتورطوا " في الإنفاق عليهم .. وهذا يعني أن حتى هؤلاء كانوا يرون أنفسهم أولياء على أولادهم في جهة الصرف ومسؤولين في جهة الإنفاق . بالإضافة إلى ذلك فقد أقر المشرع الإسلامي هذه الولاية ، ورتب عليها جملة من الأحكام والآثار .. وجعلها مربوطة بعدد من المواصفات : 1/ فمن ذلك أنها محدودة من حيث الزمان وليست مطلقة من هذه الجهة : فقد حددت بفترة بلوغ الولد كغاية لها ، فليس للوالد بعد ذلك ولاية مالية على ابنه ، وإذا كان لديه مال له كميراث من أمه مثلاً ، أو عطية من أحد ، فإن على الوالد أن يعطيه إياه . إلا إذا كان الولد سفيها . ويستوي في هذا الذكر من الأولاد والأنثى وإن اختلفا من حيث سن البلوغ . 2/ كما أنها محدودة من جهة التصرف المالي : بمعنى أن يكون صرف الوالد على الولد ـ من مال الولد ـ بمقدار ما يصلح شأنه هو[75] ، فلا يستطيع الوالد أن يستهلكه في أمور أخر ، مثل أن يتزوج به ، أو أن يصرف على زوجته منه ، أو حتى على إخوة الولد أو أقارب الوالد ، وهكذا . نعم يجوز له أن يصرف على نفسه إذا اضطر لذلك واحتاج إليه ، وهذا متفق عليه إذ كما أن من مسؤولية الأب أن يصرف على أولاده ـ من ماله هو ـ وأن ينفق عليهم مع غناه وحاجتهم ، فكذلك يجب على الولد أن يصرف على والديه ـ من مال الولد ـ مع غناه وحاجتهما .. ويشهد لذلك ما ورد في رواية معتبرة عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، عن الحسين بن أبي العلاء قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما يحل للرجل من مال ولده ؟ قال : قوته بغير سرف إذا اضطر إليه ". وعندما سأله عما ورد من الرسول ( أنت ومالك لأبيك ) أجابه الإمام عليه السلام بأن ذلك لا يشكل قانوناً عاما ، وإنما هو قضية في واقعة ، وهي بالنظر إلى ظروفها الموضوعية كانت على القاعدة ، حيث يظهر من الرواية ، أن الأب كان محتاجا وأن المال قد صرفه على الولد وهو صغير وعلى نفسه ( أي الأب ) ومع حاجته فكما تقدم لا مانع منه ، ضمن قاعدة ( قوته بغير سرف ) .. تكمل الرواية : " فقلت له : فقول رسول الله صلى الله عليه وآله للرجل الذي أتاه فقدم أباه فقال له : أنت ومالك لأبيك ؟ فقال : إنما جاء بأبيه إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله هذا أبي وقد ظلمني ميراثي من أمي فأخبره الأب أنه قد أنفقه عليه وعلى نفسه ، فقال : أنت ومالك لأبيك ولم يكن عند الرجل شيء ! أفكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبس الأب للابن ؟ ".[76]

--> 74 ) الأنعام: من الآية151 75 ) نشير هنا إلى ممارسة خاطئة من بعض الأمهات وهي مما يبتلى بها : أن الطفل عند ولادته قد يهدي له زوار الأم بعض الأموال أو الأشياء كالذهب للمولودة البنت ، وهذا يملكها الطفل فتقوم بعض الأمهات بإعطاء هذه الأشياء كهدية إلى والدة أخرى عند زيارتها لها .. وهذه الوالدة تخطئ مرتين ، الأولى في أنها تصرفت في مال الطفل من غير أن يكون لها ولاية في ذلك ، والثانية أنها أعطت المال في غير مصلحة الطفل . 76 ) الشيخ الكليني ،الكافي 5 / 136 عن محمد بن يحيى ، عن عبد الله بن محمد ، عن علي بن الحكم