ابن أبي الحديد
78
شرح نهج البلاغة
ترجع عنه وقال بعضهم : معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء ، فقال : ارتفعوا عنى ، ثم قال لابن عباس : ادع لي الأنصار فدعاهم فاستشارهم ، فاختلفوا عليه اختلاف المهاجرين ، فقال لابن عباس : ادع لي من كان من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعاهم فقالوا بأجمعهم : نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء ، فنادى عمر في الناس : إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه فقال له أبو عبيدة بن الجراح أفرارا من قدر الله تعالى ، فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ! نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان ، إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ! فجاء عبد الرحمن بن عوف - وكان متغيبا في بعض حاجته - فقال : إن عندي من هذا علما ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ) . فحمد عمر الله عز وجل وانصرف إلى المدينة . * * * وروى ابن عباس ، قال : خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته ، فانفرد يوما يسير على بعيره فاتبعته ، فقال لي : يا بن عباس ، أشكو إليك ابن عمك ، سألته أن يخرج معي فلم يفعل ولم أزل أراه واجدا ، فيم تظن موجدته ؟ قلت : يا أمير المؤمنين إنك لتعلم ، قال أظنه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة ( 1 ) قلت : هو ذاك ، إنه يزعم أن رسول الله أراد الامر له ، فقال : يا بن عباس ، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الامر له فكان ما ذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أمرا ( 2 ) ، وأراد
--> ( 1 ) كذا في ، وفي ا : ( على الخلافة ) . ( 2 ) ا : ( ذلك ) .