ابن أبي الحديد

79

شرح نهج البلاغة

الله غيره ، فنفذ مراد الله تعالى ولم ينفذ مراد رسوله أو كلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ! إنه أراد إسلام عمه ولم يرده الله فلم يسلم ! . وقد روى معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ ، وهو قوله : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يذكره للامر في مرضه ، فصددته عنه خوفا من الفتنة وانتشار أمر الاسلام ، فعلم رسول الله ما في نفسي وأمسك وأبى الله الا إمضاء ما حتم . * * * وحدثني الحسين بن محمد السيني ، قال : قرأت على ظهر كتاب ، أن عمر نزلت به نازلة ، فقام لها وقعد ، وترنح لها وتقطر ( 1 ) وقال لمن عنده معشر الحاضرين ما تقولون في هذا الامر ؟ ، فقالوا : يا أمير المؤمنين أنت المفزع والمنزع ، فغضب وقال : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ) ( 2 ) ، ثم قال : أما والله إني وإياكم لنعلم ابن بجدتها والخبير بها ، قالوا : كأنك أردت ابن أبي طالب ! قال : وأنى يعدل بي عنه ، وهل طفحت حرة مثله قالوا : فلو دعوت به يا أمير المؤمنين ! قال هيهات ! إن هناك شمخا من هاشم وأثره من علم ، ولحمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يؤتى ولا يأتي ، فامضوا بنا إليه فانقصفوا نحوه ( 3 ) وأفضوا إليه فألفوه في حائط له ، عليه تبان ( 4 ) وهو يتركل ( 5 ) على مسحاته ، ويقرأ : ( أيحسب الانسان أن يترك سدى ) ( 6 ) إلى آخر السورة ، ودموعه تهمي على خديه ، فأجهش الناس لبكائه فبكوا ، ثم سكت وسكتوا فسأله عمر عن تلك الواقعة فأصدر جوابها ، فقال عمر : أما

--> ( 1 ) تقطر : شمخ برأسه كبرا . ( 2 ) سورة الأحزاب 70 . ( 3 ) انقصفوا نحوه : اجتمعوا . ( 4 ) التبان : سراويل صغير . ( 5 ) يتركل على مسحاته : أي يضربها برجله لتغيب في الأرض . والمسحاة : ما يسحى به الطين عن الأرض ، أي يحرف . ( 6 ) سورة القيامة 36 .