ابن أبي الحديد
41
شرح نهج البلاغة
بينا عمر يسير في طريق مكة يوما إذا بالشيخ بين يديه يرتجز ويقول ما إن رأيت كفتي الخطاب * أبر بالدين وبالأحساب * بعد النبي صاحب الكتاب * فطعنه عمر بالسوط في ظهره ، فقال : ويلك ! وأين الصديق ! قال : ما لي بأمره علم يا أمير المؤمنين ، قال : أما إنك لو كنت عالما ، ثم قلت هذا لأوجعت ظهرك . * * * قال زيد بن أسلم : كنت عند عمر وقد كلمه عمرو بن العاص في الحطيئة وكان محبوسا ، فأخرجه من السجن ثم أنشده ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ * زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ( 1 ) ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة * فاغفر عليك سلام الله يا عمر أنت الامام الذي من بعد صاحبه * ألقت إليه مقاليد النهى البشر ما آثروك بها إذ قدموك لها * لكن لأنفسهم كانت بك الأثر . ( 2 ) فبكى عمر لما قال له : ( ماذا تقول لأفراخ ) فكان عمرو بن العاص بعد ذلك يقول : ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أتقى من رجل يبكى خوفا من حبس ( 3 ) الحطيئة ! ثم قال عمر لغلامه يرفأ : على بالكرسي ، فجلس عليه ثم قال : على بالطست ، فأتى بها ثم قال : على بالمخصف ، لا بل على بالسكين ، فأتى بها فقال : لا بل على بالموسى ، فإنها أوجى ، فأتى بموسى ثم قال : أشيروا على في الشاعر فإنه يقول الهجر ، وينسب بالحرم ويمدح الناس ويذمهم بغير ما فيهم وما أراني إلا قاطعا لسانه ! فجعل الحطيئة يزيد خوفا فقال : من حضر إنه لا يعود يا أمير المؤمنين ، وأشاروا إليه قل لا أعود يا أمير المؤمنين فقال : النجاء النجاء ! فلما ولى ناداه : يا حطيئة فرجع مرعوبا فقال : كأني بك يا حطيئة
--> ( 1 ) ديوانه 8 . ( 2 ) أي الخلافة . وفي الديوان : ( لم يؤثروك ) . ( 3 ) كذا في ا ، وفي ب : ( حبسه ) .