فوزي آل سيف

92

أعلام من الأسرة النبوية

قد ذكرنا فيما سبق عند الحديث عن عبد المطلب وهو رأس هذه الأسرة الهاشميةِ كيف أنه أخذ بتربية أبنائه بتوحيدِ اللهِ ونبذِ عبادةِ الأصنامِ وتركِ شُرْبِ الخمرِ و الاجتنابِ عَنْ الزنا والوصية بمكارم ِ الأخلاق مع التذكيرِ الدائمِ بأنَّ للهِ تعالى داراً أخرى يحاسبُ فيها المسيءُ بإساءتِهِ ويُجزى فيها المحسنُ بإحسانِهِ.. هذا الطابعُ العام جعلَ الأسرة ضمن الاتجاه ال إبراهيمي إلا من شذ منهم، وجذبته الدنيا وشهواتها.. وهذا بلا شك كان من المؤثرات في شخصية حمزة، وبالإضافة لذلك فقد كان لقرب عمره من عمر النبي محمد صلى الله عليه وآله، كما نعتقد تأثير على توجهاته الأخلاقية والدينية. يضاف إلى ما سبق ــ في محاولة ترسيم شخصية حمزة عليه السلام ــ فقد اشتهر عنه بأنه كان شجاع القلب قوي البدن، وهاتان صفتان مختلفتان، فقد يكون شخص قوي البدن لكنه ليس بشجاع القلب، وقد ينعكس الأمر بأن يكون شجاع القلب، ولكنه ــ لكبره مثلا أو مرضه ــ ضعيف البدن والقوة العضلية. وبينما يتأثر البدن بمرور الزمان عليه، والكبر في السن فيضعف، تجد أن جرأة النفس وقوة القلب لا تتأثر بالضرورة بمرور الزمان ولا تشيخ عادة. وقد جمع حمزة الخصلتَينِ فإنهم ينقلونَ إنَّه كان في أيامِ شبابِه يخرجُ إلى الصحراءِ وحده وإذا وجدَ فيها شيئا مِنَ الحيواناتِ المفترسةِ كانَ يصطادُه فعُبِرَ عَنْهُ بِصياد الأسود. وعندما بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله، حدثت حادثة جعلت حمزة يظهر ما كان يخفيه من إعجاب بدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله، ويعلن ما كان يسره من عدم اقتناعه بالاصنام التي لا تضر ولا تنفع. فقد ذكر المؤرخون أنَّهُ كانَ راجعاً مِنَ الصحراءِ ذات يوم وكانَتْ عادتُهُ أَنْ يمرَ بالبيتِ الحرامِ ليطوفَ بالكعبة سبعةَ أشواطٍ [243](وهي احدى سنن أبيه عبد المطلب التي جاء الإسلام فيما بعد وأقرها) وفي طريقه التقت به جارية لعبد الله بن جدعان ومعها جارية لصفية بنت عبد المطلب فقالتْ له يا أبا يعلى ــ وكانَتْ هذه أحدى كناه ــ[244]: لو رأيتَ ما صنعَ أبو الحكم بابنِ أخيك محمد لرققَتَ لهُ!! في ذلك الوقت كانَ يطلقُ على أبي جهل أبا الحكم. [245] قالَ لهما وما صنعَ به؟ قالَتْ: وجده هاهنا جالسا فآذاه و سبه و بلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه و لم يكلمه محمد. وقيل الذي أخبرته مولاة أخته صفية بنت عبد المطلب، قالت له: إنه صب التراب على رأسه، و ألقى عليه فرثا.. فقال: انتِ رأيت ذلك؟ قالت نعم.. هنا غضب حمزة غاية الغضب.. وأخذته الحمية في نصر رسول الله، وقد ورد في الروايات ذم الحمية إلا ما كان من حمية حمزة! فإن الحمية وسورة الغضب إذا كانت من أجل افتخار جاهلي، أو أمر شخصي تكون مذمومة أما أن يغضب الإنسان لأجل اعتداء حصل على مؤمن أو مؤمنة.. فهذا ممدوح. غَضِبَ حمزة غضباً شديداً ورأى أن استضعاف ابن أخيه هو استضعاف للحق، وتجبر وتفرعن من قبل شخص يتصور نفسه لا رادع له، فكان يحتاج إلى تأديب يناسبه.. وبينما كان أبو جهل في جمعٍ مِنَ أعوانِه جالسِينَ عند الكعبة

--> 243 ) يقرر علماء الإمامية أن الطواف الواجب ـ ولو في عمرة أو حج مستحب ـ هو سبعة أشواط لا تزيد ولا تنقص، ولكن الطواف المستحب يجوز أن يكون أقل من ذلك، فيصح أن تطوف شوطا أو شوطين.. 244 ) ويكنى أيضا بأبي عمارة. 245 ) عمرو بن هشام المخزومي، من رؤساء المشركين كان يكنى بأبي الحكم، فكناه رسول الله صلى الله عليه وآله، بأبي جهل لتعديه على المسلمِينَ وقالوا لقتله امرأة مسلمة بطعنها بالحربة تحت بطنها!