فوزي آل سيف
93
أعلام من الأسرة النبوية
وإذا بحمزة يأتي ومِنَ دونِ أَنْ يطوف َ بالكعبة رفعَ قوسَهُ وضربَ به أبا جهل ضربةً قويةً على رأسِه شج فيها رأسَه وأسال مِنَهُ الدمَ! وقالَ: ردَّها عليّ إنْ استطعت! كانَتَ هذهِ الضربة صفعة لكبرياءِ قريش كلها.. فقريش التي كان زعماؤها إلى ما قبل قليل تستذلُ المسلمِينَ وتضربُهُمْ وتسخرُ بالنَّبي وتُلقِي الأقذارَ في طريقِهِم وعليهم.. وإذا بها تتلقى هذه الضربة على الملأ وأمام الناس، وعلى رأس سيدهم والمتولي للإيذاء، مع تحديه بأن يرد الضربة لو استطاعوا! وعندما حاول أعوان أبي جهل أن يناجزوا حمزة قالَ لَهم أبو جهل كفوا عنه فإنَّي قَدْ فعلتُ مع ابن أخيه فعلاً شنيعاً! وعندها توجه أبو جهل كأنه يريد تبرير ما صنع.. فقال لحمزة: إن ابن أخيك سفه عقولنا وسب آلهتنا وعاب آباءنا! فرد عليه حمزة بما هو أوجع من ضربته التي أسالت الدم قائلًا: ومن أسفه منكم وأنتم تعبدون الأصنام والحجارة التي لا تضر ولا تنفع؟ ألا فاشهدوا أني على دينه وإني أشهد ألّا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله![246] وكانت هذه الضربة الثانية أقوى من ضربة القوس على رأس أبي جهل. وشرعت الهجرة للمؤمنين فلا يصح للمؤمن أن يخسر إيمانه في مسقط رأسه لوجود الضغوط فيها، وعنده أرض الله واسعة.. ليهاجر إليها..إنه بذلك يظلم نفسه لو لم يفعل ويظلم أهله كما قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).[247] وعلى أثر ذلك هاجر المؤمنون فمنهم من اتجه إلى الحبشة، ومنهم من توجه إلى يثرب (المدينة) وهكذا ويقال أن حمزة قد هاجر إلى المدينة قبيل هجرة النبي صلى الله عليه وآله، وكانت معه زوجته سلمى بنت عميس الخثعمية أخت أسماء بنت عميس. في السنة الثانية من هجرة النبي حدثت معركة بدر الكبرى في يوم السابعِ عشر مِن شهرِ رمضان وحمزة كانَ فيها مُعلِما قَدْ وضعَ على صدرِهِ رِيشَ نعامٍ. وقد جاء القرشيونَ بزعمِهِم لكي يقضوا على رسولِ الله ومَن معه وكما قالُوا نشربُ وترقصُ علينا القيَان ونقيم ثلاثةَ أيامٍ فلا تزالُ العربُ هائبةً لنا مدى الدهر. وبالرغم من أن القافلة التي كانَت السبب في التعبئة للحربِ قد نجتْ ووصلَتْ لمكة بسلام إلا أن خطَّ التصعيدِ في قريشٍ كان يبحث عن مبرر يستطيع من خلاله تحشيد القبائل كلها، لمواجهة النبي صلى الله عليه وآله. وكان لا بد مع هذا التوجه التصعيدي أن تحدث المواجهة، والتقى الجمعان في منتصف الطريق جموع المشركين القادمة إلى المدينة وأنصار رسول الله الخارجة من المدينة فالتقى الجمعان في منتصف الطريق في بئر يسمى (بدر) على بعد 130 كيلومتر تقريبا من المدينة..وكانت طريقة القتال في تلك الأزمنة عادة أن يبرز أشجع المقاتلين من الطرفين، وتكون المبارزة فردية، ولعل ذلك لأجل أن يهزم كل طرف غالب في فرسانه الطرف الآخر من الناحية النفسية، فلا ينفعه بعد ذلك الالتحام كثيرا، ما دامت الهزيمة النفسية قد حلت.
--> 246 ) ابو الحلبي الشافعي ؛ ابو الفرج: السيرة الحلبية 1/421 247 ) النساء / 97