فوزي آل سيف
56
أعلام من الأسرة النبوية
ذلك؟ قال: فغضب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله ». قال الحافظ ابن البطريق: فأدخل العباس في جملة من لا يدخل قلب رجل الإيمان إلا بحبهم، وهذا أبلغ ممّا ذكره الثعلبي في المعنى، لأنه أدخله بكاف الجمع الشاملة، ثم ذكر خبراً عن الشيخ الطوسي في كتابه (انس الوحيد) وفيه أنّ جبرئيل عليه السلام أتى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمّد جئتك بكرامة أكرمك الله بها، سهم تجعله في قرابتك وابدأ بعمك العباس، وثلّث بخبر ذكره الحلواني في كتابه في لمع كلام الإمام الزكي أبي الحسن عليّ بن محمّد العسكري عليهم السلام لمّا سأله المتوكل فقال له: « ما يقول بنو أبيك في العباس؟ قال: ما يقولون في رجل فرض الله طاعته على الخلق وفرض طاعة العباس عليه » وقال: يريد بذلك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وان العباس رضي الله عنه والد وطاعته له كطاعة الوالد... ثم استشهد بشعر الكميت بن زيد الأسدي جاء فيه: (من قصيدة في الهاشميات لمن قلب متيم مستهام): وأبو الفضل إن ذكرهم الحلو والشفا للنفوس من الأسقام وقوله أيضاً في غيرها: ولن أعزل العباس صنو نبينا وصنوانه فيمن اُعد واُندب ولا ابنيه عبد الله والفضل إنني جنيب بحب الهاشميين مصحب أقول: ولا شك فيما ذكره الحافظ ابن البطريق رحمه الله، وإن كان الرجل قد عاصر الخليفة الناصر لدين الله العباسي، واحتمال انّه إنّما قدم ذلك في أول كتابه تقية منه، ولكن تشيّع الناصر المعلوم يدفع هذا الاحتمال الموهوم. ولا نمنع ما قاله الذهبي: « وقد اعتنى الحفاظ بجمع فضائل العباس رعاية للخلفاء ». أقول: وهذا ممّا لا شك فيه، ولكن لا يعني انّ كل ما جمعوه كان من الموضوعات، كما لا نشك بأنه كانت له مكانة مرموقة وسجايا طيبة كما لا نشك بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يحب عمه العباس وله عنده منزلة نوّه عنها بقوله: (لا تؤذونني في عمي العباس، عم الرجل صنو أبيه، هذا عمي وصنو أبي). ففي أمالي الشيخ الطوسي عن عليّ (عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّما عم الرجل صنو أبيه). وأخرج البغوي عن عليّ (عليه السلام): (انّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لعمر في عمه العبّاس: إنّ عم الرجل صنو أبيه). ولعل ما رواه البغوي مختصراً هو ما أخرجه ابن سعد في الطبقات، والفسوي في كتاب المعرفة والتاريخ: « انّ رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم استعمل عمر بن الخطاب على السعاية، فأتى العبّاس يطلب صدقته، فأغلظ له العباس، فأتى عمر عليّاً وذكر ذلك له ليذكره للنبيّ صلى الله عليه (وآله) وسلم فأتاه عليّ (عليه السلام) فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لعمر: (تربت يداك، أما علمت أنّ عم الرجل صنو أبيه، إن العباس أسلفنا زكاة العام عام الأول) ». وقد رواه الفسوي بعد ذلك مرة أخرى بتفاوت في السند والمتن، فراجع. ولعل ذلك القول من النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ترك أثراً بالغاً في نفس عمر بل وحتى في نفوس الصحابة فكانوا يحترمون العباس ويجلّونه، حتى روى ابن أبي الزناد عن أبيه: انّ العباس بن عبد المطلب لم يمرّ قط بعمر ولا عثمان وهما راكبان إلا ترجّلا حتى يجوزهما إجلالاً له أن يمرّ وهما راكبان وهو يمشي. وقد ورد في مستدرك الحاكم عن ابن عباس: كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يجلّ العباس إجلال الوالد.