فوزي آل سيف

39

أعلام من الأسرة النبوية

كانت نتيجة حماية أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله، ودفاعه عنه بشكل دائم أمام قريش وتوجيهه الرسائل الواضحة للقرشيين بأنهم لو مسّوا النبي بالأذى فسيكون ذلك نهاية من يمسه بالأذى، ولقد صدق في مقالته: لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد ـــ بالعمل. ففي ذات مرة قال جمع من قريش: أيمرّ بنا ابن أبي كبشة ولا يسلّم علينا، فأيّكم يأتيه فيفسد عليه صلاته؟ فقال عبد الله بن الزبعرى السهمي: أنا أفعل. فأخذ الفرث والدم فانتهى به إلى النبيّ صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وهو ساجد فملأ به ثيابه ورأسه ولحيته، فانصرف النبيّ صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ حتّى أتى عمّه أبا طالب، فقال له: يا عمّ من أنا؟ فقال: ولِمَ يا بن أخي؟ فقصّ عليه القصّة. فقال: وأين تركتهم؟ فقال: بالأبطح. فنادى في قومه يا آل عبد المطّلب، يا آل هاشم، يا آل عبد مناف. فأقبلوا إليه من كلّ مكان ملبّين، فقال: كم أنتم؟ فقالوا: نحن أربعون. فقال: خذوا سلاحكم، فأخذوا سلاحهم فانطلق بهم حتى انتهى إليهم، فلمّا رأت قريش أبا طالب أرادت أن تفترق فقال: وربّ البنيّة ما يقوم منكم أحد إلاّ جلّلته بالسيف، ثم أمَرَّ ذلك السلا على سبالهم[116] ولحاهم.. وكانت تلك رسالة تامة لكل القرشيين، ألا يقتربوا من حرمة النبي محمد. هذا إضافة إلى مئات أبيات الشعر، وعشرات القصائد التي كانت تعلن بشكل لا مرية فيه بأنه واقف كالجبل إلى جنب ابن أخيه، فها هو يقول: كذبتم وبيت الله يبزى محمد ولما نطاعن دونه ونناضلِ ونسلمه حتى نصرع دونه ونذهل عن أبنائنا والحلائلِ الحصار في شعب[117] أبي طالب: ردت قريش على تلك المناصرة من أبي طالب (ومن خلفه بنو هاشم) لرسول الله صلى الله عليه وآله، بالمحاصرة الاقتصادية والاجتماعية، وإلجائهم إلى أن يبقوا في شعب أبي طالب، ويقرروا على المجتمع المكي مقاطعتهم. لقد مرت أيام الحصار وشهوره وسنواته الثلاث عسيرة جدا على المسلمين (بل على عموم بني هاشم ممن لجأ إلى الشعب، فإنه فرض عليهم الحصار وإن لم يكونوا مسلمين) والغرض هو ان يتم الضغط على النبي ليتوقف عن دعوته أو يتوقف أبو طالب عن حمايته فيتم لهم ما يريدون من قتل النبي صلى الله عليه وآله.. وكان اتفاق القرشيين على ألّا يبيعوا شيئا لبني هاشم، ولا يشتروا منهم ولا يتزوجوا منهم ولا يزوجوهم ولا يسمحوا لأحد حتى من خارج مكة أن يبيعوهم، فإما كانوا يشترون من الباعة بضائعهم بأغلى الأثمان أو يهددوهم بأن يقاطعوا وألّا يسمح لهم بالبيع في مكة! وقد استنفد هذا الوضع ما كان لدى بني هاشم من المال، ولا سيما أموال خديجة زوجة النبي صلى الله عليه وآله حيث أعطت ما كانت تملكه بسخاء في هذا السبيل، ولا شك أنه كان هناك من يخاطر فيبيع بضاعته ولكن بأثمان مضاعفة! وكان هناك من يرق لحالهم فيهرب الأطعمة إلى الشعب. انتهى هذا بعد أن تحرك بعض حلفاء بني هاشم في قريش ضد الحصار، وقد ذكر في هذا ابو البختري بن هشام وغيره، ولكن العنصر الأساس الذي أنهى الحصار هو ما كان بين النبي وأبي طالب، حيث أخبر النبي عمه أن الله سبحانه قد سلط حشرة الأرضة على وثيقة المقاطعة والحصار، ولم تُبقِ فيها إلا اسم الله عز وجل! فقال له أبو طالب: أَربُّك أخبرك بهذا؟

--> 116 ) سلا الناقة هو الغشاء الذي فيه الجنين. والسبال: الشوارب. 117 ) الشِّعب بكسر الشين، تعني الفجوة بين الجبلين، وشعب أبي طالب هو بمثابة الوادي بين جبل أبي قبيس وجبل حنتمة، خلف الصفا..