فوزي آل سيف
38
أعلام من الأسرة النبوية
وفشلت محاولات كفار قريش كلها في الحد من دعوة النبي والوقوف في وجهه ما دام أبو طالب حيا، " ولما مات أبو طالب نالت قريش منه من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بيته والتراب على رأسه؛ فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وتبكي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول لها: "يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك، ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب".[114] تعهد بالدفاع والحماية من البداية لقد كان واقعياً توسمُ وفراسة عبد المطلب بشأن ابنه أبي طالب عندما أوصاه بالاهتمام والرعاية لابن أخيه النبي محمد وقد لا يكون ذلك فقط لأجل كون عبد الله وأبي طالب شقيقين ومن أم واحدة، فهذا لا يكفي إذا لم تكن الشخصية مسؤولة وشجاعة جادة! وكان يمثل هذه الشخصية أبا طالب بين أبناء عبد المطلب الباقين بأفضل أنحائها، ولذا ــ يعتقد ــ أن عبد المطلب أوصاه بالنبي محمد، وبالفعل فإنه بالإضافة إلى موقفه في كفالة النبي طوال فترة طفولته وصباه وشبابه، واصل حمايته ورعايته بعدما بعث بالرسالة، بينما لم يفعل ذلك مثلا عمه العباس!مع إمكاناته المالية الضخمة، وهذا راجع إلى ما ذكرنا من الصفات الشخصية لأبي طالب، بل لأبنائه من بعده، فقد نقل أرباب السير أن النبي لما أراد أن يبدأ دعوته جاء إلى العباس عمه طالبا منه نصرته ومعونته في هذه الدعوة.. فقال له: " إن الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني واستنبأني فما عندك؟ فقال له العباس: يا بن أخي تعلم أن قريشا أشد الناس حسدا لولد أبيك، وإن كانت هذه الخصلة، كانت الطامة الطماء والداهية العظيمة، ورمينا عن قوس واحد وانتسفونا نسفاً صلتاً، ولكن قرّب إلى عمك أبي طالب فإنه أكبر أعمامك، إن لا ينصرك لايخذلك ولا يسلمك. فأتياه فلما رآهما أبوطالب قال: إنّ لكما لظنة وخبراً، ماجاء بكما في هذا الوقت؟ فعرفه العباس ما قال له النبي وما أجابه به العباس، فنظر إليه أبوطالب وقال له: اخرجْ ابنَ أخي فإنك الرفيع كعباً، والمنيع حزباً، والاعلى أباً، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد، والله لتذلن لك العرب ذل البُهم لحاضنها، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب جميعا، ولقد قال: إن من صلبي لنبياً لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به، فمن أدركه من ولدى فليؤمن به".[115] ولسان حاله: والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك، ما عليك غضاضة * وأبشر بذاك، وقر منك عيونا ودعوتني، وزعمت أنك ناصحي * ولقد صدقت، وكنت قبل أمينا وعرضت دينا لا محالة إنه * من خير أديان البرية دينا
--> 114 ) الأميني ؛ عبد الحسين ؛ إيمان أبي طالب وسيرته 1/ 64 115 ) المجلسي ؛ محمد باقر: بحار الأنوار 35/ 142