فوزي آل سيف

162

أعلام من الأسرة النبوية

وربما يكون لهذا السبب وجدنا أنه لم يخرج مع الإمام الحسين عليه السلام من المدينة سوى أهل بيته المقربين ؛ كأبي الفضل العباس وأشقائه من أم البنين، وأبنائه، وأبناء أخيه الحسن المجتبى، وأبناء عمه عقيل وجعفر وأمثالهم! وفي مكة عند الخروج صار العدد أكبر على أثر مراسلات الإمام لأهل البصرة والكوفة والاعلان العام في الناس (ألا ومن كان باذلا فينا مهجته وموطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا). ولا ريب مع ما تقدم أن الخروج والكون في ركاب الإمام عليه السلام منزلة عالية، وأن من لم تتحقق منه مهما كان، لا يصل إلى منزلة من خرج معه.. وعلى أي حال فإن الاجابات التي قدمت أو يمكن أن تقدم في تبرير وتوجيه عدم خروج عبد الله مع الحسين هي التالية: 1/ قيل إن السبب سبب صحي فقد كان كفيف البصر، ومن الواضح أنه لن يستطيع فعل شيء مهم إذا كان كفيفا.. غير أن المصادر التاريخية لا تذكر عن فقدانه البصر في سنة 61 هـ.. بل ولا بعدها خاصة وأن المشهور أنه عمر طويلا، فقد نسب له أنه توفي عام 80 للهجرة. 2/ وقيل إنه ربما أبقاه الإمام الحسين عليه السلام في المدينة لكي يخبره عما يجري فيها، ويكون عينه المفتوحة هناك! وهو نفس ما قيل في شأن محمد بن الحنفية الذي أوصى إليه الحسين قبل أن يخرج. ونفس الكلام السابق يجري هنا، فإنه لا توجد قرائن واضحة على مثل هذا الأمر. 3/ وهناك من يرى أن عبد الله بن جعفر بمقدار ما كان في الموضوع العقائدي قويا ومبدئيا للغاية، فإنه كان في الموضوع السياسي أقرب إلى (الواقعية السياسية) لو صح التعبير عنها، ولذلك لم يكن يرى حتى للحسين أن يمضي في المواجهة إلى آخرها.. ولعل بعض بني هاشم وغيرهم كانوا يشاركونه في هذا، من أن الحسين ليس له قوة على إزالة الحكم الأموي وأن أهل الكوفة غير صادقين في دعوة الإمام عليه السلام فالأفضل في هذه الحالة أن يبقى الإمام الحسين في المدينة أو مكة أو حتى أن ينتظر حتى تحين الفرصة الأنسب، أو أن يذهب إلى اليمن ففيها أنصار أبيه.. إلخ. وأن الحسين لو قتل فسيخسر الإسلام خسارة عظيمة بمقتله. وقد غفل هؤلاء أن الإمام عليه السلام لم يكن ينظر إلى الموضوع ضمن الاطار السياسي، وإنما كان ينظر إليه بالمنظور السياسي (وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد)، وضمن عقيدة (من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرام الله، عاملا في عباده بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا بقول كان حقا على الله أن يدخله مدخله). وقد نقل بعض المؤرخين أن عبد الله بن جعفر قد ذهب إلى عمرو بن سعيد الأشدق وطلب منه كتاب أمان للحسين عليه السلام، فكتب له كتابا.. إلخ ما قيل.. والناظر إلى لغة الكتاب و(الأمان) يستنكر جدا أن يكون عبد الله بن جعفر يقبل كتابا بتلك الصياغة للإمام الحسين عليه السلام، ويعتقد أنه من جملة ما سطره الأمويون في التاريخ، من إظهار الحسين عليه السلام، تارة بمظهر الذي تورط في أمره، ويبحث عن مخرج فلا يجده! أو مظهر الشخص الذي (عصى) كلام كل الناصحين، ولم يستمع إلى (حكمة) الحكماء من بني هاشم وغيرهم، و(ضيع) على نفسه فرصة النجاة!! ومن الواضح أن الإمام عليه السلام لم يكن في هذا الموضع ولا تلك الحالة! ومهما يكن من أمر فإن عبد الله بن جعفر، ترك زوجته العقيلة زينب تخرج مع أخيها الحسين عليه السلام إلى كربلاء، ولم يمنع ابنيه اللذين خرجا والتحقا بالحسين في بعض الطريق، لكي يشهدا الواقعة ويستشهدا فيها.