فوزي آل سيف
147
أعلام من الأسرة النبوية
ـ فإنا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فكف لسانك. فقال ابن عباس: يا معاوية أتنهانا عن قراءة القرآن؟! قال: لا. قال: أتنهانا عن تأويله؟! قال: نعم. قال: فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به؟ ثم قال: فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟ قال: العمل به. قال: فكيف نعمل به ولا نعلم ما عنى الله؟! قال: سل عن ذلك من يتأوله غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك. قال: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان يا معاوية أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال وحرام؟! فإن لم تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف. قال: اقرؤا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم، وارووا ما سوى ذلك. قال: فإن الله يقول في القرآن: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون). قال: يا بن عباس أربع على نفسك، وكف لسانك، وإن كنت لا بد فاعلا فليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية. ثم رجع إلى بيته فبعث إليه بمائة ألف درهم، ونادى منادي معاوية أن قد برئت الذمة ممن يروي حديثا من مناقب علي وفضل أهل بيته، وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة، لكثرة من بها من الشيعة[398].. ويرى المحقق السيد الخرسان أن ابن عباس لم يستجب لطلب معاوية، واستمر على روايته الحديث في مناقب أهل البيت ولا سيما الإمام عليا عليه السلام.. وأورد نماذج من وقائعه مع من كان يسيء القول في أمير المؤمنين عليه السلام، وكيف واجههم بما يعرف من فضل الإمام وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله في حقه[399]. وفي هذه الفترة - يعني أيام معاوية – ضعف بصره كثيرا حتى كان يستعين بقائد، وقد سجل معاوية هذا بقوله له: ما لكم يا بني هاشم[400] تصابون في أبصاركم؟ فأجابه ابن عباس على الفور: لكنكم يا بني أمية تصابون في بصائركم! وينسب إليه أنه قال تعبيرا عن ذلك: إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي زكي وعقلي ليس ذا دخل وفي فمي صارم بالحق مأثور ويقدر بعض المحققين أن سبب ذلك كثرة البكاء على أمير المؤمنين عليه السلام ثم الحسنين، وأن بدايته كانت مع شهادة الإمام أمير المؤمنين، وفي ذلك يقول المحقق الخرسان: " وما رجح عندي من كثرة بكائه على الإمام عليه السلام
--> 398 ) الطبرسي ؛ أبو منصور: الاحتجاج 2/ 17 399 ) الخرسان ؛ محمد مهدي: موسوعة عبد الله بن عباس 5/ 68: قال " من خلال متابعتي لمواقف ابن عباس مع أعداء الإمام تبيّن لي إنّه كان ابن جلاها وطلاع ثناياها في تحدي السلطة وإعلان معارضته، عن طريق التحدث بفضائل الإمام (عليه السلام )، وكلّ تلك المواقف تنتهي بفوزه على خصومه، وجملة منها كانت في أيام حكم معاوية، فهو لم تلن له قناة، ولم تقرع له صفاة، بل كان مثجاً يسيل غربا، واذا أردت عرض جميع ما وقفنا عليه فاحتاج إلى وقت طويل يعيقنا عن متابعة تاريخه ونحن بهذا السبيل، إلاّ أني أعرض بعض نماذج فيها تحدٍ تسافر لبيان السلطة وصاحبها، ولم أقف على مورد واحد فيه عقاب أو عتاب جوبه به، وهذا يعني أنّ ابن عباس في هذا الميدان كان أقوى من سلطة معاوية، وسلاحه فيه أمضّ وأمضى". 400 ) قيل إن والده العباس وجده عبد المطلب بن هاشم قد أصيبوا في أبصارهم أواخر أعمارهم..