فوزي آل سيف

141

أعلام من الأسرة النبوية

ولكن الأمر سوف يتغير في أيام الخليفة الثاني حيث أصبح شابا بعمر يقترب من سبعة عشر عاما، وقد أخذ عن صحابة النبي ولا سيما الإمام علي شيئا كثيرا من حديث رسول الله، جعله يتفوق على كبار الصحابة ممن كان بعضهم في سن أبيه. قد ألفت هذا الأمر الخليفة الثاني الى ذكائه واحاطته العلمية فأقبل عليه وقربه، حتى أصبح يقدم كلامه وفتاواه على فتاوى وآراء الصحابة المعرو فين آنذاك، وأشركه في ما يشبه مجلس الأحكام والمشاورة. وقد فسر هذا الأمر حيث لم يكن متوقعا، بتفسيرات متعددة: ـ منها أن ابن عباس كان متميزا في بني هاشم من الناحية العلمية، ويجتمع عليه بنو هاشم فهو ابن العباس كبير الاعمام الباقين من أبناء عبد المطلب، من جهة، ومن جهة أخرى فهو التلميذ اللصيق والخاص بالإمام علي عليه السلام، فكأن الخليفة في إقباله عليه اراد أن يرد شيئا لبني هاشم ومن خلاله يصل لنفوسهم تدريجيا ــ كما يرى باحثون [385]ـ خصوصا وأن الخليفة قد اطمأن أن الإمام عليا عليه السلام قد اتخذ موقف المسالمة للخلافة وليس في صدد أن يدخل معركة معهم أو أن يقوم بإنقلاب عليهم، فأراد بهذه الوسيلة أن يرد لبني هاشم شيئا من حقهم من دون أن يصل ذلك إلى موضوع الخلافة. ـ وهناك احتمال آخر يراه غير هؤلاء، إذ يرون الأمر يدخل في اطار سياسي بمعنى أنه قرب عبد الله بن عباس لأن عبد الله كان أشبه بأمين سر الإمام ويعرف بالتالي مايفكر فيه الإمام فإذا أتى به عنده ستكون الخلافة على علم بما يفكر فيه علي بن أبي طالب، واذا كان للخليفة رسالة للامام فأفضل طريق هو تلميذه وهكذا. ـ البعض رأى ان المسألة مسألة علمية بحتة فقد أعجب الخليفة إعجاباً تاماً بابن عباس، والخليفه نفسه لم يكن بمستوى عال من المعرفة العلمية بالقياس الى مثل أمير المؤمنين عليه السلام بل ولا بالقياس بغيره من علماء الصحابة فكان يشيد به ويقدمه على من حضر. هل كان الإمام راضيا؟ يظهر أن أمير المؤمنين عليه السلام أنه لم يكن رافضاً لهذه العلاقة بين ابن عباس وبين الخليفة عمر بن الخطاب لأن ابن عباس قوي الحجة وكان صريحاً في مايرتبط بأمير المؤمنين،لم يكن يجامل وما كان ضعيف الحجة بل يقول كلامه بشكل صريح ولكن مؤدب من غير تشنج.. وينقل المؤرخون كثيرا من الحوادث بين الخليفة وبين ابن عباس. ففي إحداها يقول ابن عباس:إنّي لاماشي عمر في سكة من سكك المدينة، يده في يدي. فقال: يابن عباس، ما أظنّ صاحبك إلاّ مظلوما، فقلت في نفسي: والله لا يسبقُني بها. فقلت: يا أمير المؤمنين، فاردُدْ اليه ظلامتَه، فانتزع يدَه من يدي، ثم مرّ يهمهم ساعة ثم وقف، فلحقته. فقال لي: يابن عباس، ما أظنّ القوم منعهم من صاحبك إلاّ أنّهم استصغروه. فقلت في نفسي: هذه شرّ من الاولى، فقلت: والله ما استصغره الله حين أمرَه أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر قال: فأعرض عني وأسرع، فرجعت عنه.[386]

--> 385 ) المصدر السابق 1/ 180 386 ) السقيفة للجوهري ص ۷۰، وشرح النهج لابن أبي الحديد ج ٤ ص ٤٥، كشف اليقين للحلي ص ٤٦۱ ح ٥٦۱، كشف الغمة ج ۲ ص ٤٥.. وقد رفض أغلب محدثي ومؤلفي مدرسة الخلفاء هذا الحديث وردوه لا لجهة مشكلة في السند، وإن كان فيه عمر بن الحسن الراسبي، وهو الوحيد الذي ضعف في السند..فإنه قد روى الحاكم النيسابوري أحاديث في مستدركه على الصحيحين وفي سندها عمرُ هذا.. إلا أن الحديث لما كان فيه إدانة للطريقة التي تمت بها الخلافة بعد النبي، فإن إثبات صحته يحرج بلا شك هؤلاء، وقد صرح بعضهم بالقول أنه لو صح هذا وعلم الخليفة بظلم وقع على الإمام علي فكان لا بد عليه أن يزيل ذلك الظلم!