فوزي آل سيف

140

أعلام من الأسرة النبوية

ويظهر أنه أوتي حافظة قوية وذكاءً جيداً ولذلك عندما رافق النبي في حجة الوداع التفت الى حركات النبي وأقواله وأفعاله فنقل عنه الفريقان كثيرا من الأحاديث في سنن الحج وأعماله كما ونقل عن النبي أيضا حديث الغدير لا مجرد رواية كما فعل غيره، عندما قال النبي من كنت مولاه فهذا علي مولاه وجاؤا يبايعون الإمام، قال: لقد وجبت في اعناقهم يعني هذه بيعة مؤكدة وتامة وفي رقابهم.. هذا مع حداثة سنه حينها حيث لا يفترض انه تجاوز ثلاثة عشر سنة من العمر. سجل أيضا ماحصل قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وأطلق عليها (رزية الخميس) حيث عرفت في التاريخ بهذه التسمية التي سماها ابن عباس وهي حادثة اختلاف بعض الصحابة على رسول الله وعدم سماعهم كلامه بأن يأتوا له بدواة وكتف، وكان يتألم منها كثيراً ويقول الرزية كل الرزية يوم حالوا بين النبي وبين كتابة الكتاب.[381] كيف جمع الأحاديث: بالرغم من أن المنقول من أحاديث ابن عباس في مصادر مدرسة الخلفاء لا تتجاوز ثلث ما نقلوه عن أبي هريرة الدوسي الذي اشتهر بأنه روى عن النبي (5374 حديثا)، مع فارق أن أبا هريرة الذي جاء إلى المدينة سنة 7 هـ لم يلبث أن غادرها إلى البحرين، ويحتمل بعض الباحثين أن مدة بقائه مع النبي لم تتجاوز سنة وستة أشهر، بخلاف ابن عباس الذي كان في طول تلك الفترة (من سنة 7 إلى حين وفاة النبي ) معه، مع ملاحظة أنه كان كثيرا ما يدخل بيت النبي ويكون معه ومع خالته ميمونة، بالرغم من ذلك يعتبر ابن عباس من المكثرين في نقل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله. ويرى آية الله الحكيم[382] أن دعاء النبي له أكثر من مرة (اللهم فقهه في الدين وعلمه التاويل) بالإضافة إلى كونه مع النبي في فترة نمو القوى العقلية ــ بين التاسعة والثانية عشرة ــ وكذلك رعاية النبي الخاصة له وتعاهده بالمعرفة، وحرص ابن عباس الشخصي على اقتفاء آثار النبي وتتبع خطواته كما يستفاد من رواياته في وضوء رسول الله وقيامه الليل، مع تحريض والده العباس له على الالتصاق بالنبي، ووجود خالته أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث في بيت رسول الله.[383].. كلها عوامل ساعدت ابن عباس على التلقي من رسول الله بذلك المقدار. ويشير ابن عباس إلى كيفية اهتمامه بحديث النبي، في أنه سعى لجمع الحديث من أصحاب النبي وروايته عنهم، فقال لشاب من الأنصار في ذلك، فكنا نذهب إلى بيت الصحابي ونتتظره حتى يفيق من قيلولته ــ نومة ما قبل الظهرـ ونحن في الشمس حتى يفيق، ونأخذ عنه الحديث! فملّ صاحبي من ذلك وانصرف عني، وبقيت على ذلك [384]. وقد يكون هذا ــ بالإضافة إلى صغر سنه ــ أحد الأسباب التي تبرر لنا عدم الحضور السياسي الواضح لابن عباس في زمان الخليفة الأول، لكنه كان في هذه الفترة والتي تليها تحت التوجيه المباشر لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام...

--> 381 ) البخاري ؛ صحيح 5/ 138 ومسلم النيشابوري في صحيحه 5/ 76 382 ) السيد محمد تقي الحكيم:أصولي بارع ومجتهد محقق 383 ) الحكيم ؛ السيد محمد تقي: عبد الله بن عباس شخصيته وآثاره 1/ 57 ـ 64 384 ) النيشابوري ؛ الحاكم: المستدرك على الصحيحين 3 / 538 ونص الحديث هكذا: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: ((يا فلان هلم فلنسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم اليوم كثير فقال: واعجباً لك يا بن عباس أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ترى؟ فتركت ذلك وأقبلت على المسألة فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه فتسفي الريح على وجهي التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا بن عم رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك؟! فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث قال: فبقى الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي فقال: كان هذا الفتى أعقل مني))