فوزي آل سيف
128
أعلام من الأسرة النبوية
تتميز سورة الإحزاب بأنها اهتمت بذكر ما يرتبط بزوجات النبي صلى الله عليه وآله ونسائه وتحدثت عما ينبغي لهن من العمل وماينبغي لهن من الاجتناب، وسنتناول من خلال هذه الآيات الكريمات موقف الشيعة الإمامية من زوجات النبي وتنزيههم إياهن. ولا يخفى أهمية هذا الموضوع وبالذات في هذا الزمان حيث تتجاذب الساحة الإسلامية الكثير من النظريات المتعارضة، وسيتم استعراض هذا الموقف من خلال ما نفهمه من القرآن الكريم وروايات المعصومين ثم مواقف علماء الطائفة العظام.. في نقاط: الأولى: أنه لابد من الفصل بين زواج النبي صلى الله عليه وآله كحالة بشرية لها ظروفها الشخصية أو الاجتماعية والسياسية، وبين الجانب الغيبي.. بمعنى أنّ الأصل في زيجات رسول الله صلى الله عليه وآله بالنساء تلكم (وطلاقهن) هو الجانب البشري بحسب تقديرات النبي صلى الله عليه وآله (تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ ۖ).[343] ويشهد لذلك أيضا قصة تخيير النبي نساءه واعتزاله إياهن! فالأصل في ذلك أنها لم تكن ضمن إطار الوحي الالهي بمعنى أن يأتي جبرائيل فيأمر النبي أن يتزوج فلانة أو أن يترك فلانة.. بل كل حالة من هذهِ الحالات لها ظروفها ومبرراتها الخاصة بها. نعم لو ثبت بدليل معتبر أن النبي قد أمره الله ــ من خلال الوحي ــ بأن يتزوج امرأة أو يتركها، لجهة من الجهات (كما حصل بالنسبة لزينب بنت جحش في قضية زيد بن حارثة)، نقبله ونسلم به لكن هذا هو الاستثناء وليس الأصل. ولذلك يرى باحثون أنه ما نقل من أحاديث في أن جبرئيل قد جاء بقطعة حرير فيها صورة إحدى النساء لكي يتزوجها، فبالإضافة إلى أنه مروي عن صاحبة الصورة المفترضة، دون غيرها، وفي هذا ما يجعل الناظر يتأمل فيه، كذلك فهو على خلاف الأصل الذي ذكرناه. ولم يثبت ذلك حتى لخديجة بنت خويلد[344]وهي بإجماع المسلمين أفضل نساء النبي صلى الله عليه وآله، وقد قال فيها النبي صلى الله عليه وآله ما قال ــ وقد مر الحديث حول شخصيتها عليها السلام ــ فهل يعقل ثبوته لغيرها؟ ولم يكن هناك مصلحة خاصة تترتب عليه كما سيأتي في موضوع زينب بنت جحش. نعم ثبت في الوحي القرآني أن الله سبحانه زوّج النبيَّ زينبَ، ولم يكن هذا لأجل فضيلة زينب الاستثنائية ولذلك لا نعتقد أن افتخار زينب على سائر نساء النبي إذا كان المقصود منه أنها أفضل منهن لهذه الجهة فلا وجه له، وإن كان المقصود شيئا آخر فلا بأس به.. ذلك أن القرآن الكريم قد حدد الغاية التي من أجلها تم التزويج (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا).[345] فمجيء التعليل (زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ..) فالغرض هو بيان عملي لحكم شرعي كان المجتمع بحاجة إليه، ذلك أن المجتمع القرشي كان ينظر إلى الأولاد بالتبني على أنهم أولاد يثبت لهم ما ثبت للأولاد الحقيقيين ويستنكرون أن يتزوج الوالد زوجة ولده بالتبني، فكانت إحدى طرق بيان هذا الحكم وأنه لا حرج ولا مشكلة في ذلك، ولأجل رفع الاستيحاش والاستنكار، أن يتزوج النبي زوجة زيد الذي كان معروفا بزيد بن
--> 343 ) الأحزاب /51 344 ) نعم يعتقد الشيعة الإمامية أن أمهات المعصومين، ومنهن السيدة خديجة، تم اختيارهن في علم الله عز وجل من الأرحام الطاهرة والطيبة، لكن هذا أمرٌ غير ما نحن فيه.وهو أيضا لا يشمل كل نساء النبي وإنما خصوص والدة المعصوم وقد انحصرت بخديجة عليها السلام. 345 ) الأحزاب / 37