فوزي آل سيف

129

أعلام من الأسرة النبوية

محمد.. فبعد التأكيد في موضع آخر أن (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ)،[346] كانت هناك حاجة لممارسة عملية تنفي الأحكام المتوهمة[347] بين الوالد والولد بالتبني. ومع أنه قد ورد في بعضهن مناقب عالية جدا، ووصفت بأنها من سيدات نساء الجنة كما هو في خديجة، أو غيرها مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله، وصدقته سيرتها الخارجية، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن زواجه بهذه أو تلك كان من السماء، أو أنه كان مأمورا بالزواج منها شخصيا بأمر رباني! بالطبع فإن كل شيء هو بأمر الله (العام)وبإذنه ولا يخرج عن دائرة علم الله، وهو بهذا كسائر الأشياء صغيرها وكبيرها إذ (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ).[348] 2/ النقطة الثانية: التي تتفرع من الأولى هي أننا نجد الظروف التي تزوج فيها النبي بتلك الزوجات ظروفا مختلفة، وشخصيات وأعمار الزوجات متباينة، وأهداف تلك الزيجات متعددة! ففيما تزوج خديجة بنت خويلد ومكث معها خمساً وعشرين سنة، لم يتزوج غيرها في عز شبابه وهو ابن الخامسة والعشرين، حتى بلغ الخمسين..مع أن مقتضى الرغبة البشرية المعتادة هو أن تتعدد الزوجات في هذه الفترة لا سيما وهو يحل له أكثر من سائر الناس!! وكانت نعم العون على الدعوة والرسالة.. حتى إذا ما توفيت خديجة، تزوج سودة بنت زمعة، وهي امرأة كبيرة السن لا يطمع في مثلها، وكان زواجه إياها أشبه بنوع من الكفالة بعد أن توفي زوجها وترك عليه خمسة أو ستة من الصبية! وتزوج بعائشة بنت أبي بكر في وقت مبكر، قيل إنه عقد عليها ولما تبلغ تسع سنين، حتى إذا جازت التسع في المدينة تزوجها،[349]ومن الواضح أن زيجة بين النبي الذي كان عمره قد تجاوز الخمسين وبين بنت صغيرة في العاشرة[350]، لا يشبه الزواج بامرأة ناضجة ذات عشرين سنة أو ثلاثين سنة كما هو الحال في مثل ميمونة أو أم سلمة!! ولكن هذا حصل، والزواج بهما أيضا حصل! وهكذا زواجه بحفصة بنت عمر.. فقد مات عنها زوجها وبقيت أيّماً فعرضها أبوها على الخليفة أبي بكر، مع أنه أكبر من عمر بحوالي عشر سنوات فلم يرد عليه جواباً بالإيجاب وعرضها على عثمان وقال ليس لي رغبة في النكاح، فعرضها على رسول الله صلى الله عليه وآله وضمن تقديرات رسول صلى الله عليه وآله، تزوجها النبي..

--> 346 ) الأحزاب / 5 347 ) ومن العجب عند القرشيين والجاهليين، أنهم كانوا يعيبون من يتزوج زوجة ابنه بالتبني، بينما كانوا يتزوجون نساء آبائهم الحقيقيين، كما ذكر المفسرون في تفسير آية (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء..) قال القرطبي في تفسيره 5/ 103: (وقد كان في العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه، وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي. ألا ترى أن عمرو بن أمية خلف على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافرا وأبا معيط، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره؛ فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما. ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه امرأته فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكان أمية قتل عنها. ومن ذلك منظور بن زبان خلف على مليكة بنت خارجة، وكانت تحت أبيه زبان بن سيار. ومن ذلك حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن. والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن سوار: توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت: إني أعدك ولدا، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره؛ فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية). 348 ) سبأ / 3 349 ) من الناحية الشرعية يجوز العقد ـ بمعنى إجراء صيغة العقد من وليها ـ على فتاة لم تكمل تسع سنين عند المذاهب الأربعة وعند الإمامية إذا كان ذلك في مصلحتها، لكن لا يجوز الدخول بها إلا إذا أكملت تسعا عند الإمامية، وإذا قدرت على الممارسة الجنسية عند المذاهب وهو يختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والأزمنة.. هذا بشكل عام لكن في إجابات المرجع الديني السيد علي السيستاني على أجوبة وجهتها هيئة الإذاعة البريطانية في ضمن تحقيق عن موضوع الزواج في العراق.. وجه سؤال عن تزويج الصغيرات، فكان الجواب بحسب ما نشر عن مكتبه بتاريخ 26/المحرم/1441هـ :(.. أنه ليس لولي الفتاة تزويجها الا وفقاً لمصلحتها، ولا مصلحة لها غالباً في الزواج الا بعد بلوغها النضج الجسمي والاستعداد النفسي للممارسة الجنسية، كما لا مصلحة لها في الزواج خلافاً للقانون بحيث يعرّضها لتبعات ومشاكل هي في غنى عنها..) نشر على موقعه https://www.sistani.org/arabic/archive/26347/ 350 ) نص على ذلك السن في البخاري وهو المشهور في مدرسة الخلفاء، لكن هناك آراء جديدة ترفض هذا وتقول إنها كانت قد تجاوزت الستة عشر عاما!