فوزي آل سيف

124

أعلام من الأسرة النبوية

بعمرة القضاء، فقد أرسل النبي ابن عمه جعفر بن أبي طالب يخطب ميمونة بنت الحارث، ففوضت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وآله، حيث أنه زوج أختها أم الفضل، وعندما قضى النبي عمرته وخرج من مكة، تزوجها ودخل بها كما قالوا في (سرف) على بعد عشرة كيلومترات تقريبا من مكة. وبناء على هذا فإن ميمونة لم تبق مع النبي إلا فترة قصيرة، هي من نهاية السنة السابعة إلى أوائل السنة الحادية عشر!ومع ذلك فقد كان موقعها متقدما إلى الحد الذي يجعلها في الفضيلة في المرتبة الثالثة بعد خديجة وأم سلمة كما مر في حديث الخصال. ونشير هنا إلى نقطة اجتماعية وهي أن التفاوت في العمر ليس مانعا من السعادة والاستقرار، فقد يكون الزوجان متقاربين في السن ويحققان السعادة، وقد لا يكون وربما يكونان متفاوتين فيه ويمكن أن يحققا السعادة والاستقرار. وبالرغم من دخولها في زوجية النبي صلى الله عليه وآله متاخرة إلا أن ذلك لم يكن يعني أنها كانت غريبة عن أجواء المدينة والتوجهات الموجودة فيها، فهي من البداية قد التفت إلى اختصاص النبي صلى الله عليه وآله عليا من بين سائر الأصحاب، والتفتت أيضا إلى أن عليا مع اختصاص النبي إياه إلا أنه لا يجد قبولا من قسم من أصحاب النبي، وأن الأكثر منهم لا يسلمون له بميزاته!وإنما القليل والصفوة هم الذين يوالونه ويناصرونه وأخبرته أنها تحب عليا لحب النبي إياه! فقد سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: لا ينجو من النار وشدة تغيظها وزفيرها وحميمها من عادى عليا وترك ولايته، وأحب من عاداه! فقالت: ما أعرف في أصحابك من يحب عليا إلا قليلا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: القليل من المؤمنين كثير.. ومن تعرفين منهم؟ قالت: أبا ذر والمقداد وسلمان وقد تعلم أني أحب عليا بحبك إياه! فقال: صدقتِ إنك أمتحن الله قلبك للإيمان[333]. ينبغي أن نشير إلى أن هذا هو جوهر عقيدة الإمامية، وذلك أن علاقتهم بالإمام علي ليست علاقة شخصية وإنما علاقتهم به لأنه ولي الله وأفضل أصحاب رسول الله وأكثرهم مناقب ولأن النبي أمر بحبه وموالاته،واتباعه وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه.ولو فُرض أن شخصا آخر كان له هذه الصفات والمناقب لكانوا يتولونه ويتبعونه لكنها لم تتوفر إلا في علي بن أبي طالب. وينقل عن ميمونة أنها منذ أن بدأت المواجهات بين القرشيين ورسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت زوجة لأبي زيد العامري، وهي بقلبها تؤيد النبي، وتفرح كلما انتصر النبي والمسلمون، وهذا كان يغضب زوجها الذي كان بطبيعة الحال مؤيدا للقرشيين، ويريد من زوجته أن تكون كذلك،حتى في عواطف قلبها.. ولكنها لم تكن مثله، ولذلك يرى بعض الباحثين أنه ربما كان هذا أحد الأسباب التي عجلت في طلاقه إياه ومفارقته لها.. وينقل أنها في إحدى زياراتها لأختها لبابة (أم الفضل بنت الحارث) زوجة العباس بن عبد المطلب والتي كانت من المؤمنات السابقات، ولكن إيمانها كان سريا كما كان زوجها حيث لا يزالان يعيشان في مكة، ومقتضى ذلك أن يستسرا بإسلامهما! في ضمن تلك الزيارات تمنت لو أن تكون زوجة لرسول الله صلى الله عليه وآله، يقال: إن العباس نقل هذه الرغبة لرسول الله صلى الله عليه وآله عندما جاء لعمرة القضاء.[334]

--> 333 ) التستري ؛ محمد تقي: قاموس الرجال 12/ 346 334 ) هناك رواية أخرى تشير إلى أن النبي هو الذي بادر بارسال جعفر بن أبي طالب، ويمكن أن يكون في الأمر نوع من التزامن والتقارن.. يلاحظ أن جعفر هو زوج أختها لأمها (أسماء بنت عميس ) والعباس زوج أختها لأبيها وامها.