فوزي آل سيف
107
أعلام من الأسرة النبوية
المشهور في الروايات أن جعفرا عليه السلام، قد عرقب الفرس يعني ضرب بالسيف قوائمها الخلفية، وهنا دار كلام بين الباحثين في مشروعية هذا العمل على فرض حصوله! وقد أشار السيد جعفر العاملي إلى هذا الخلاف ونقل جملة من أقوال وآراء الفريقين، فقد علل القائلون بحصول ذلك ـــ وهو المشهور ــــ بأنه لو غلب على ظن المقاتل المسلم أن العدو الكافر يمكن أن يستفيد من فرس المسلم في قتال المسلمين، وأن يتقوى به عليهم، جاز له قتل ذلك الفرس، لتعارض المصلحتين هنا، فمن جهة: مفسدة إيذاء الحيوان بعرقبته وقطع رجله، تعارضها مفسدة تقوي وانتصار الكفار على المسلمين، ولا ريب أن الثانية أشد وأقوى، وأن الأولى أضعف وأهون! بينما ذهب غيرهم ـــ ومنهم السيد العاملي ــــ إلى أنه لم يحصل ذلك، وإنما عقر جعفر فرسه أي ذبحها لأنه هو الأنسب بأخلاق جعفر الطيار.. لوجود النهي الشرعي عن إيذاء الحيوان (رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا حرنت على أحدكم دابته، يعنى إذا قامت في ارض العدو فليذبحها، ولا يعرقبها).[278] وعقر الفرس أي ذبحها فيه معنى إفهام عدوه مدى تصميمه في حربهم، و مدى تفانيه في الأهداف التي يحارب من أجلها..[279] والذي يبدو بالنظر أنه لا مانع من الالتزام بما ورد من عرقبته فرسه، للجهة التي أشار إليها غير واحد من أنه لو غلب على ظن المقاتل أن العدو سينتفع بالفرس للتقوي ضد المسلمين، فإنه يجوز له عرقبته ومسح رجليه بالسيف ــ وبهذه الجهة يرتفع النهي، وقد أشار إليه الشهيد الثاني في شرح اللمعة فقال في أحكام القتال في ذكر المكروهات ".. وأن يعرقب المسلم الدابة ولو وقفت به، أو أشرف على القتل، ولو رأى ذلك صلاحا زالت (الكراهة) كما فعل جعفر بمؤتة. وذبحها أجود ".[280] هذا مع وجود رواية صريحة بفعله ذاك، فعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال:(لما كان يوم مؤتة كان جعفر بن أبي طالب على فرس فلما التقوا نزل عن فرسه فعرقبها بالسيف، فكان أول من عرقب في الإسلام).[281] استشهد جعفر بن أبي طالب، ولم يكن يليق به غير ذلك، ولم يخلق هؤلاء الأفذاذ إلا ليكونوا قدوات للانسان على مر التاريخ، في الفداء والتضحية..وحاز منزلة لم يسبقه بها أحد حتى ذلك الوقت، فقد عوضه الله جناحين يطير بهما في الجنة! ويشير مولانا أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذه الخصيصة الثابتة لأهل البيت من الله عز وجل فيقول:" أوَ لا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكلٍّ فضلٌ حتى إذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم قيل الطيار في الجنة وذو الجناحين"؟[282] سلام على أبي المساكين، ذي الجناحين، أخي الوصي أمير المؤمنين! أم المؤمنين أم سلمة المخزومية:نصيرة الولاية
--> 278 ) العاملي ؛ الحر: وسائل الشيعة 24/ 91 (آل البيت ) 279 ) العاملي: جعفر مرتضى: الصحيح من سيرة النبي الأعظم 20/ 30 280 ) الشهيد الثاني: الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ٢ / ٣٩٤ طبعة السيد كلانتر 281 ) الكليني ؛ محمد بن يعقوب: الكافي 5/ 49 طبع دار الإسلامية وتهذيب الأحكام 6/ 170.. وهي معتبرة على مسلك القائلين بتوثيق رواة كامل الزيارات وتفسير القمي، وليس فيها من يتوقف فيه غير الحسين بن يزيد النوفلي، وقد رأى البعض قبول رواياته، بغض النظر عن مسلك التوثيق العام لما في الكتابين. وأما في مصادر مدرسة الخلفاء فتكاد لا تجد ذاكرا لمعركة مؤتة منهم إلا وذكر هذه القضية. 282 ) الرضي ؛ الشريف: نهج البلاغة (ط دار الكتاب اللبناني ) 1/ 386