فوزي آل سيف
103
أعلام من الأسرة النبوية
فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي - والشيوم: الآمنون - من سبكم غرم، ثم قال: من سبكم غرم، ثم قال: من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرا من ذهب، وأنى آذيت رجلا منكم - قال ابن هشام: ويقال دبرا من ذهب، ويقال: فأنتم سيوم (والدبر الحبل بلسان الحبشة، وسيوم يعني آمنون).. ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد على ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.[268] وقد قيل إن هجرة المسلمين بقيادة جعفر بن أبي طالب كانت هي الهجرة الثانية، وكان عدد المهاجرين معه كبيرا ؛ أكثر من مائة(83 رجلا و19 امرأة ).ولعلنا نعرف صعوبة الهجرة وظروفها ولا سيما مع هذا العدد وإدارتهم إذا نظرنا إلى ما نقله أرباب السير من أن أصحاب الهجرة الأولى رجعوا إلى مكة بعد ثلاثة أشهر من خروجهم منها بمجرد أن وصل لهم خبر كاذب عن أن قريشا كفت أذاها عن النبي وأصحابه، وأن المسلمين في مكة أصبحوا آمنين، فرجع هؤلاء ليواجهوا عنف قريش الذي يزداد يوما بعد يوم. وكذلك نعرف صعوبات الهجرة وتحدياتها عندما نطلع على التأثيرات التي تركتها ثقافة بلاد المهجر وعاداتهم على قسم من الجاليات الإسلامية، فتحولت ثقافة بعضهم وديانتهم ونمط حياتهم إلى ما يناسب تلك الدول والبلاد!بل ما نلاحظه في سلوك وثقافة بعض من يذهب للدراسة الجامعية العالية في بلاد الاغتراب، من تأثر قسم من هؤلاء الكبير في تركهم لإيمانهم وتشكيكهم في عقائدهم.. بعد أن أمن المهاجرون للحبشة وأميرهم[269] جعفر من جانب الحكومة الحبشية والمؤسسة الدينية المسيحية فيها، انطلقوا في ترتيب أمورهم، والدعوة إلى دين الله عز وجل، ويظهر أن جعفرا رضوان الله عليه، كان له اتصال مستمر مع النجاشي (ملك الحبشة) بحيث أطلعه على ما أتى به النبي من الآيات والبينات، الأمر الذي تطابق مع ما كان لدى ذلك الملك من التباشير بالنبي محمد، ويقول الباحثون في الأديان أن الكنيسة المسيحية وتراثها كان أقل تعرضا للتحريف من سائر الكنائس فيما يرتبط بالتباشير بالنبي صلى الله عليه وآله، وقد توج هذا في الأخير برسائل متبادلة بين النبي والنجاشي، انتهت بإسلام النجاشي واعلانه ذلك، حيث كان يكرر أمام بطارقة الكنيسة وأساقفتها أن محمدا يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى! ولا ريب أنه كان لجعفر في هذا دور كبير ومهم، في إيصال ما كان يأتيهم من النبي صلى الله عليه وآله، إلى النجاشي. وينقل أرباب السير خطابين تم تبادلهما بين النبي والنجاشي: فقد أرسل النبي إليه خطابا يوصيه فيه بجعفر والمسلمين، ويدعوه فيه إلى الإسلام، بهذا النص: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، سلام عليك فإني أحمد إليك الملك القدوس، المؤمن، المهيمن، وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته القاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخته كما خلق آدم بيده ونفخته، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي وبالذي جاءني، فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا، ومعه نفر من
--> 268 ) الحميري ؛ ابن هشام: السيرة النبوية 1/ 225 269 ) ذكر ذلك غير واحد من الباحثين، منهم الشيخ الأحمدي في كتابه مكاتيب الرسول 1/ 301 حيث قال: والذي يظهر بالتدقيق أن جعفرا سلام الله عليه كان له رئاسة مهاجري الحبشة من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله، هاجر لذلك لا من إيذاء قريش، وهو المتولي لأمورهم من قبل رسول الله..