ابن أبي الحديد

92

شرح نهج البلاغة

الأصل : أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش ، وأسبغ عليكم المعاش ، فلو أن أحدا يجد إلى البقاء سلما ، أو لدفع الموت سبيلا ، لكان ذلك سليمان بن داود عليه السلام ، الذي سخر له ملك الجن والإنس ، مع النبوة وعظيم الزلفة ، فلما استوفى طعمته ، واستكمل مدته ، رمته قسى الفناء بنبال الموت ، وأصبحت الديار منه خالية ، والمساكن معطلة ، وورثها قوم آخرون . وإن لكم في القرون السالفة لعبرة ! أين العمالقة وأبناء العمالقة ! أين الفراعنة وأبناء الفراعنة ! أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين ، وأطفئوا سنن المرسلين ، وأحيوا سنن الجبارين ! أين الذين ساروا بالجيوش ، وهزموا الألوف ، وعسكروا العساكر ، ومدنوا المدائن ! * * * الشرح : الرياش : اللباس . وأسبغ : أوسع ، وإنما ضرب المثل بسليمان عليه لسلام ، لأنه كان ملك الإنس والجن ، ولم يحصل لغيره ذلك ، ومن الناس من أنكر هذا ، لان اليهود والنصارى يقولون : إنه لم يتعد ملكه حدود الشام ، بل بعض الشام ، وينكرون حديث الجن والطير والريح ، ويحملون ما ورد من ذلك على وجوه وتأويلات عقلية معنوية ، ليس هذا موضع ذكرها . والزلفة : القرب . والطعمة ، بضم الطاء : المأكلة ، يقال : قد جعلت هذه الضيعة طعمة لزيد . والقسي : جمع قوس ، وأصلها ( قووس ) على ( فعول ) ، كضرب وضروب ، إلا أنهم قدموا