ابن أبي الحديد
8
شرح نهج البلاغة
وروى الطبري في التاريخ أن عثمان لما حصر ، كان علي ( ع ) بخيبر في أمواله ، فلما قدم أرسل إليه يدعوه ، فلما دخل عليه قال له : إن لي عليك حقوقا : حق الاسلام ، وحق النسب ، وحق مالي عليك من العهد والميثاق ، ووالله أن لو لم يكن من هذا كله شئ وكنا في جاهلية ، لكان عارا على بني عبد مناف أن يبتزهم أخو تيم ملكهم - يعني طلحة - فقال له ( ع ) سيأتيك الخبر ، ثم قام فدخل المسجد ، فرأى أسامة بن زيد جالسا ، فدعاه فاعتمد على يده ، وخرج يمشي إلى طلحة ، فدخل داره ، وهي دحاس ( 1 ) من الناس ، فقام ( ع ) ، فقال : يا طلحة ، ما هذا الامر الذي وقعت فيه ؟ فقال : يا أبا الحسن ، أبعد ما مس الحزام الطبيين ! فانصرف علي عليه السلام ولم يحر إليه شيئا حتى أتى بيت المال ، فنادى : افتحوا هذا الباب ، فلم يقدروا على فتحه ، فقال : اكسروه ، فكسر فقال : أخرجوا هذا المال ، فجعلوا يخرجونه وهو يعطي الناس ، وبلغ الذين في دار طلحة ما صنع علي عليه السلام ، فجعلوا يتسللون إليه حتى بقي طلحة وحده ، وبلغ الخبر عثمان ، فسر بذلك ، ثم أقبل طلحة يمشي عامدا إلى دار عثمان ، فاستأذن عليه ، فلما دخل قال : يا أمير المؤمنين ، أستغفر الله وأتوب إليه ، لقد رمت أمرا حال الله بيني وبينه . فقال عثمان : إنك والله ما جئت تائبا ، ولكن جئت مغلوبا ، الله حسيبك يا طلحة ( 2 ) . ثم قسم عليه السلام مال طلحة ، فقال : لا يخلو إما أن يكون معتقدا حل دم عثمان أو حرمته ، أو يكون شاكا في الامرين ، فإن كان يعتقد حله لم يجز له أن ينقض البيعة لنصرة إنسان حلال الدم ، وإن كان يعتقد حرمته ، فقد كان يجب عليه أن ينهنه عنه الناس ، أي يكفهم .
--> ( 1 ) دحاس من الناس ، أي ممتلئة . ( 2 ) تاريخ الطبري 1 : 3071 ، 3072