ابن أبي الحديد

71

شرح نهج البلاغة

الرؤساء أتباعهم من العرب فيطيعونهم ، فمنهم من يعطيهم حمية ، ومنهم من يطيعهم لأياد وعوارف من أولئك الرؤساء عندهم ، ومنهم من يطيعهم دينا ، زعموا للطلب بدم عثمان ، ولم يكن يصل إلى هؤلاء الاتباع من أموال معاوية قليل ولا كثير . وأما أمير المؤمنين عليه السلام ، فإنه كان يقسم بين الرؤساء والاتباع على وجه العطاء والرزق ، ولا يرى لشريف على مشروف فضلا ، فكان من يقعد عنه بهذا الطريق أكثر ممن ينصره وبقوم بأمره ، وذلك لان الرؤساء من أصحابه كانوا يجدون في أنفسهم من ذلك - أعني المساواة بينهم وبين الاتباع - فيخذلونه عليه السلام باطنا ، وإن أظهروا له النصر ، وإذا أحس أتباعهم بتخاذلهم وتواكلهم تخاذلوا أيضا وتواكلوا أيضا ، ولم يجد عليه صلوات الله عليه ما أعطى الاتباع من الرزق ، لان انتصار الاتباع له وقتالهم دونه لا يتصور وقوعه ، والرؤساء متخاذلون ، فكان يذهب ما يرزقهم ضياعا . فإن قلت : فأي فرق بين المعونة والعطاء ؟ . قلت : المعونة إلى الجند شئ يسير من المال برسم ترميم أسلحتهم ، وإصلاح دوابهم ، ويكون ذلك خارجا عن العطاء المفروض شهرا فشهرا ، والعطاء المفروض شهرا فشهرا يكون شيئا له مقدار بصرف في أثمان الأقوات ، ومؤنة العيال ، وقضاء الديون . والتريكة : بيضة النعام تتركها في مجثمها ، يقول : أنتم خلف الاسلام وبقيته كالبيضة التي تتركها النعامة . فإن قلت : ما معنى قوله : ( لا يخرج إليكم من أمري رضا فترضونه ، ولا سخط فتجتمعون عليه ) ؟ قلت : معناه أنكم لا تقبلون مما أقول لكم شيئا ، سواء كان مما يرضيكم أو مما يسخطكم ، بل لابد لكم من المخالفة والافتراق عنه .