ابن أبي الحديد
72
شرح نهج البلاغة
ثم ذكر أن أحب الأشياء إليه أن يلقى الموت ، وهذه الحال التي ذكرها أبو الطيب فقال : كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن تكن أمانيا ( 1 ) تمنيتها لما تمنيت أن ترى * صديقا فأعيا ، أو عدوا مداجيا . قوله : ( قد دارستكم الكتاب ) ، أي درسته عليكم ، دارست الكتب وتدارستها وأدرستها ، ودرستها ، بمعنى ، وهي من الألفاظ القرآنية ( 2 ) . وفاتحتكم الحجاج ، أي حاكمتكم بالمحاجة والمجادلة ، وقوله تعالى : ( ربنا افتح بيننا ) ( 3 ) أي احكم ، والفتاح : الحاكم . وعرفتكم ما أنكرتم : بصرتكم ما عمى عنكم . وسوغتكم ما مججتم ، يقال : مججت الشراب من فمي ، أي رميت به ، وشيخ ماج : يمج ريقه ، ولا يستطيع حبسه من كبره ، وأحمق ماج : أي يسيل لعابه ، يقول : ما كانت عقولكم وأذهانكم تنفر عنه من الأمور الدينية أوضحته لكم حتى عرفتموه واعتقدتموه وانطوت قلوبكم عليه . ولم يجزم عليه السلام بحصول ذلك لهم ، لأنه قال : لو كان الأعمى يلحظ ، والنائم يستيقظ ! أي أنى قد فعلت معكم ما يقتضى حصول الاعتقادات الحقيقية في أذهانكم لو أزلتم عن قلوبكم ما يمنع من حصولها لكم ، والمانع المشار إليه هو الهوى والعصبية والاصرار على اللجاج ، ومحبة نصره ( 4 ) عقيدة قد سبقت إلى القلب ، وزرعها التعصب ، ومشقة مفارقة
--> ( 1 ) ديوانه 4 : 281 . ( 2 ) من قوله تعالى في سورة آل عمران 79 : ( كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) . ( 3 ) سورة الأعراف 89 .