ابن أبي الحديد
69
شرح نهج البلاغة
( لا ) أن تعمل في النكرة فقط ، وحكم الألف أن تثبت مع الإضافة ، والإضافة تعرف ، فاجتمع فيها حكمان متنافيان ، فصار من الشواذ كالملامح والمذاكير ولدن غدوة ( 1 ) . وقال الشيخ أبو البقاء رحمه الله : يجوز فيها وجهان آخران : أحدهما أنه أشبع فتحة الباء ، فنشأت الألف والاسم باق على تنكيره ، والثاني أن يكون استعمل ( أبا ) على لغة من قالها ( أبا ) في جميع أحوالها مثل ( عصا ) ، ومنه : إن أباها وأبا أباها ( 2 ) . قوله : ( الموت أو الذل لكم ) ، دعاء عليهم بأن يصيبهم أحد الامرين ، كأنه شرع داعيا عليهم بالفناء الكلى ، وهو الموت ، ثم استدرك فقال : ( أو الذل ) ، لأنه نظير الموت في المعنى ، ولكنه في الصورة دونه ، ولقد أجيب دعاؤه عليه السلام بالدعوة الثانية ، فإن شيعته ذلوا بعد في الأيام الأموية ، حتى كانوا كفقع قرقر ( 3 ) . ثم أقسم أنه إذا جاء يومه لتكونن مفارقته لهم عن قلى ، وهو البغض ، وأدخل حشوة بين أثناء الكلام ، وهي ( ليأتيني ) وهي حشوة لطيفة ، لان لفظة ( إن ) أكثر ما تستعمل لما لا يعلم حصوله ، ولفظة ( إذا ) لما يعلم أو يغلب على الظن حصوله ، تقول : إذا طلعت الشمس جئت إليك ، ولا تقول : إن طلعت الشمس جئت إليك ، وتقول : إذا احمر البسر جئتك ، ولا تقول : إن احمر البسر جئتك ، فلما قال : ( لئن جاء يومى ) ، أتى بلفظة دالة على إن الموضع موضع ( إذا ) لا موضع ( إن ) ، فقال : ( وليأتيني ) .
--> ( 1 ) أي أنهم لا يستعملان إلا هكذا ، فلا يستعملون ( ملمحة ) ، ولا يستعملون ( مذكارا ) ، كما أن ( لدن ) اختصت بغدوة ، انظر سيبويه 1 : 348 . ( 2 ) بقيته * قد بلغا في المجد غايتاها * وهو من شواهد النحاة ، وانظر ابن عقيل 1 : 46 . ( 3 ) الفقع : ضرب من أردأ الكمأة ، والقرقر : المكان المستوى الأملس ، ويشبه الرجل الذليل ، فيقال : هو أذل من فقع بقرقر ، لان الدواب تنجله بأرجلها .