ابن أبي الحديد

50

شرح نهج البلاغة

وأيسرها حضور الجنازة ، وعيادة المريض ، وحضور الولائم ، والإملاكات ( 1 ) ، وفى ذلك تضييع الأوقات ، والتعرض للآفات ، ثم يعوق عن بعضها العوائق ، وتستثقل فيها المعاذير ، ولا يمكن إظهار كل الاعذار ، فيقول لك قائل : إنك قمت بحق فلان ، وقصرت في حقي ، ويصير ذلك سبب عداوة ، فقد قيل : إن من لم يعد مريضا في وقت العيادة ، يشتهى موته خيفة من تخجيله إياه إذا برئ من تقصيره ، فأما من يعم الناس كلهم بالحرمان فإنهم يرضون كلهم عنه ، ومتى خصص وقع الاستيحاش والعتاب ، وتعميمهم بالقيام بجميع الحقوق ، مما لا قدرة عليه للمتجرد ليله ونهاره ، فكيف من له مهم يشغله ديني أو دنيوي ! . ومن كلام بعضهم ، كثرة الأصدقاء زيادة ( 2 ) الغرماء . وقال الشاعر : عدوك من صديقك مستفاد * فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه * يكون من الطعام أو الشراب . وأما انقطاع طمعك عنهم ، ففيه أيضا فائدة جزيلة ، فإن من نظر إلى زهرة الدنيا وزخرفها ، تحرك حرصه ، وانبعث بقوة الحرص طمعه ، وأكثر الأطماع يتعقبها الخيبة ، فيتأذى الانسان بذلك ، وإذا اعتزل لم يشاهد ، وإذا لم يشاهد لم يشته ولم يطمع ، ولذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ) ( 3 ) وقال عليه السلام : ( انظروا إلى من دونكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم ) .

--> ( 1 ) الإملاكات : مجامع التزويج . ( 2 ) ب : ( كثرة ) ، وما أثبته من أ ، د ( 3 ) سورة الحجر 88 .