ابن أبي الحديد

51

شرح نهج البلاغة

وقال عون بن عبد الله : كنت أجالس الأغنياء ، فلا أزال مغموما أرى ثوبا أحسن من ثوبي ، ودابة أفره من دابتي ، فجالست الفقراء فاسترحت . وخرج المزني صاحب الشافعي من باب جامع الفسطاط بمصر ، وكان فقيرا مقلا فصادف ابن عبد الحكم قد أقبل في موكبه ، فبهره ما رأى من حاله ، وحسن هيأته ، فتلا قوله تعالى : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) ( 1 ) ثم قال : نعم أصبر وأرضى . فالمعتزل عن الناس في بيته لا يبتلى بمثل هذه الفتن ، فإن من شاهد زينة الدنيا ، إما أن يقوى دينه ويقينه فيصبر فيحتاج إلى أن يتجرع مرارة الصبر ، وهو أمر من الصبر ، أو تنبعث رغبته فيحتال في طلب الدنيا فيهلك دنيا وآخرة ، أما في الدنيا فبالطمع الذي في أكثر الأوقات يتضمن الذل المعجل ، وأما في الآخرة فلإيثاره متاع الدنيا على ذكر الله ، والتقرب إليه ، ولذلك قال الشاعر : إذا كان باب الذل من جانب الغنى سموت إلى العلياء من جانب الفقر . أشار إلى أن الطمع يوجب في الحال ذلا . * * * ومنها الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى ومعاناة أخلاقهم ، فإن رؤية الثقيل هي العمى الأصغر ، قيل للأعمش : بم عمشت عيناك ( 2 ) ؟ قال : بالنظر إلى الثقلاء . ودخل على أبي حنيفة رحمه الله ، فقال له : روينا في الخبر أن من سلب كريمتيه عوضه الله ما هو خير منهما ، فما الذي عوضك ؟ قال : كفاني رؤية ثقيل مثلك يمازحه . وقال الشافعي رحمه الله : ما جالست ثقيلا إلا وجدت الجانب الذي يليه من بدني كأنه أثقل على من الجانب الآخر . وهذه المقاصد وإن كان بعضها دنيويا ، إلا أنها تضرب في الدين بنصيب ، وذلك لان

--> ( 1 ) سورة الفرقان 20 ( 2 ) د : ( عينك ) .