ابن أبي الحديد
44
شرح نهج البلاغة
ألا يجعل حظي من أيامي في مجاهدة قلبي فقط ، فسكنه الله عن الاضطراب ، وآلفه الوحدة والانفراد ، فلما نظرت إليك وتريدني خفت أن أقع في الأمر الأول فأعود إلى إلف المخلوقين : فإليك عنى فإني أعوذ من شرك برب العارفين وحبيب التائبين . ثم صاح : وا غماه من طول المكث في الدنيا ! ثم حول وجهه عنى ، ثم نفض يده ، وقال : إليك عنى يا دنيا ، لغيري فتزيني ، وأهلك فغري ! ثم قال : سبحان من أذاق العارفين من لذة الخدمة وحلاوة الانقطاع إليه ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان ، والحور الحسان ، فإني في الخلوة آنس بذكر الله ، وأستلذ بالانقطاع إلى الله ، ثم أنشد : وإني لأستغشي وما بي نعسة * لعل خيالا منك يلقى خياليا ( 1 ) وأخرج من بين البيوت لعلني * أحدث عنك النفس في السر خاليا . وقال بعض العلماء : إنما يستوحش الانسان من نفسه لخلو ذاته عن الفضيلة ، فيتكثر حينئذ بملاقاة الناس ، ويطرد الوحشة عن نفسه بهم ، فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ، ويستخرج العلم والحكمة ، وكان يقال : الاستئناس بالناس من علامات الافلاس . * * * ومنها التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض الانسان لها غالبا بالمخالطة ، وهي الغيبة ، والرياء ، وترك الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وسرقة الطبع بعض الأخلاق الرديئة والأعمال الخبيثة من الغير . أما الغيبة فإن التحرز منها مع مخالطة الناس صعب شديد لا ينجو من ذلك إلا الصديقون ، فإن عادة أكثر الناس التمضمض بأعراض من يعرفونه ، والتنقل بلذة
--> ( 1 ) لمجنون ليلى ، ديوانه 294 ، 296 .