ابن أبي الحديد

45

شرح نهج البلاغة

ذلك ، فهي أنسهم الذي يستريحون إليه في الجلوة والمفاوضة ، فإن خالطتهم ووافقت أثمت ، وإن سكت كنت شريكا ، فالمستمع أحد المغتابين ، وإن أنكرت تركوا ذلك المغتاب واغتابوك ، فازدادوا إثما على إثمهم . فأما الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فإن من خالط الناس لا يخلوا عن مشاهدة المنكرات ، فإن سكت عصى الله ، وإن أنكر تعرض بأنواع من الضرر ، وفى العزلة خلاص عن ذلك ، وفى الامر بالمعروف إثارة للخصام ، وتحريك لكوامن ما في الصدور . وقال الشاعر : وكم سقت في آثاركم من نصيحة * وقد يستفيد الظنة المتنصح . ومن تجرد للامر بالمعروف ندم عليه في الأكثر كجدار مائل ، يريد الانسان أن يقيمه وحده ، فيوشك أن يقع عليه ، فإذا سقط قال : يا ليتني تركته مائلا ! نعم لو وجد الأعوان حتى يحكم ذلك الحائط ويدعمه استقام ، ولكنك لا تجد القوم أعوانا على الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فدع الناس وانج بنفسك . وأما الرياء فلا شبهة أن من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راءاهم ، ومن راءاهم كان منافقا ، وأنت تعلم أنك إذا خالطت متعاديين ، ولم تلق كل واحد منهما بوجه يوافقه صرت بغيضا إليهما جميعا ، وإن جاملتهما كنت من شرار الناس ، وصرت ذا وجهين ، وأقل ما يجب في مخالطة الناس ، إظهار الشوق والمبالغة فيه ، وليس يخلو ذلك عن كذب ، إما في الأصل وإما في الزيادة بإظهار الشفقة بالسؤال عن الأحوال ، فقولك : كيف أنت ؟ وكيف أهلك ؟ وأنت في الباطن فارغ القلب عن همومه ، نفاق محض . قال سرى السقطي : لو دخل علي أخ فسويت لحيتي بيدي لدخوله ، خشيت أن أكتب في جريدة المنافقين .